وسائل الاعلام وترتيب الأولويات: الاصول النظرية والاتجاهات البحثية

مسلم عباس

2018-10-01 07:25

تهتم نظرية ترتيب الاولويات بدراسة العلاقة المتبادلة بين وسائل الاعلام والجمهور الذي يتعرض لتلك الوسائل في تحديد اولويات القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وتنطلق هذه النظرية من فرضية ان لوسائل الاعلام تأثير في تركيز انتباه الجمهور نحو الاهتمام بموضوعات واحداث وقضايا معينة. كما تفترض هذه النظرية ان وسائل الاعلام لا تستطيع ان تقدم جميع الموضوعات والقضايا التي تقع في المجتمع، وانما يختار القائمون على هذه الوسائل بعض الموضوعات التي يتم التركيز عليها بشدة والتحكم في طبيعتها ومحتواها. وفي المقابل تثير هذه الموضوعات اهتمامات الناس تدريجيا وتجعلهم يدركونها، ويفكرون فيها ويقلقون بشأنها. ومن ثم تمثل هذه الموضوعات اهمية لدى الجمهور اكبر نسبيا من الموضوعات الاخرى التي تطرحها وسائل الاعلام. فمدى اهتمام صحيفة معينة بقضايا معينة وابرازها والتركيز عليها تتوقع الصحيفة ان تكون تلك القضايا في مقدمة اهتمامات الجمهور نتيجة لقراءته الصحيفة. وهكذا بالنسبة لباقي وسائل الاعلام.

الاصول النظرية لترتيب الاولويات

وتعود بحوث ترتيب الاولويات الى "والتر ليبمان" Lippman من خلال كتابه "الراي العام" الذي صدر عام 1922، اذ يرى "ليبمان" ان وسائل الاعلام تساعد في بناء الصورة الذهنية لدى الجمهور وفي كثير من الاحيان تقدم هذه الوسائل بيئة زائفة في عقول الجمهور. وكانت لدى الباحثين بعد ليبمان اسهامات مختلفة للتأصيل لنظرية ترتيب الاولويات، وقد ظهرت احدى اهم التعليقات المباشرة عن ترتيب الاولويات عام 1958 في مقال نورتن لونج وقال فيه: "ان الصحف هي المحرك الاول في وضع جدول الاعمال الاقليمية ولها دور كبير في تحديد ما سوف يتحدث عنه معظم الناس وما يفكرون فيه على انه حقائق بالإضافة الى الطريقة التي يعتبرونها مناسبة للتعامل معها".

وهناك نص مباشر حول وضع الاولويات حينما اعتبر برنارد بيرلسون Bernarad Berelson 1948 في مقالته "الاتصالات والراي العام" إذ اعتبر ان وسائل الاعلام تعد المسرح السياسي للمناظرات الجارية، ويرى ان هناك بعض الدلائل بان المناقشة الخاصة حول المسائل السياسية تأخذ مؤشراتها من عرض وسائل الاعلام والاتصال لهذه المسائل إذ ان الناس يتحدثون في السياسة متمشين في ذلك مع الخطوط التي ترسمها وسائل الاعلام والاتصال. الا ان افضل تصريح حول ترتيب الاولويات ظهر لدى برنارد كوهين Bernard Cohen في كتابه "الصحافة والسياسة الخارجية" عام 1963 الذي قال: "ان الصحافة يمكن الا تكون ناجحة كثيرا في ان تقول للناس بماذا يفكرون، ولكنها ناجحة الى حد كبير في ان تقول للقراء عن الاشياء التي يفكرون حولها".

البدايات المنهجية للنظرية

وكان البحث الاساس الذي بنيت عليه نظرية ترتيب الاولويات قد اجراه في الولايات المتحدة عام 1968 الباحثان ماكسويل ماكومبس ودونالد شاو، اللذان قاما بجمع بيانات تتعلق بحجم تركيز الصحف على القضايا في حملة الانتخابات الجارية آنذاك. كما قاما في نفس الوقت بجمع بيانات حول رأي الجمهور عن اهم القضايا المثارة في الحملة الانتخابية. وركز الباحثان على معرفة موقف الناخبين غير المرتبطين حزبيا (المحايدين) فيما يختص بميولهم وآرائهم حول القضايا المهمة المثارة في الحملة، ثم قاما بتحليل محتوى الصحف الاساسية التي كان يقرأها اولئك الناخبون بحثا عن وجود علاقة تشابه بين ما ابرزته الصحافة كقضايا هامة، وما اعتبره الناخبون قضايا ذات اهمية. وقد اثبت بحثهما الصلة القوية بين حجم التركيز على القضايا في الصحف، وبين مستوى اهمية القضايا الذي عبر عنه الناخبون. وبذلك انتهى الباحثان الى ان هذا التشابه بين اجندة الصحف واجندة الجمهور دليل على وجود تأثير للصحافة في ترتيب الاولويات عند الجمهور.

لكن هذه الدراسة لم توضح من الذي اثر في الاخر فمن المحتمل ان تكون اجندة وسائل الاعلام قد اثرت في اجندة الجمهور كما تقول الفرضيات، ولكن من المنطقي ان تفترض ايضا ان اجندة الجمهور ربما هي التي اثرت في اجندة وسائل الاعلام. وفي خطوتهم التالية لاستكشاف وضع الاجندة قام ماكوبس وشاو بدراسة جديدة تركز على الحملة الانتخابية الرئاسية لعام 1972 لفهم الترتيب السببي وخلصت الدراسة الى ان الارتباط بين اجندة الصحف واجندة الناخبين هو الاكبر ما يدعم فرضية وضع الاجندة.

انواع بحوث وضع الاولويات

توجد استراتيجيتان اساسيتان لوضع الاولويات وهما:

1- دراسة مجموعة القضايا السائدة في وسائل الاعلام وعند الجمهور على فترة زمنية واحدة او فترتين.

2- دراسة قضية واحدة على فترات زمنية مختلفة، اي دراسة ممتدة.

ويستخدم اسلوب تحليل المضمون لحصر الموضوعات التي تؤكد عليها وسائل الاعلام، ومن الافضل ان يشمل تحليل المضمون كل وسائل الاعلام مثل: الصحف والمجلات والراديو والتلفزيون، غير ان الباحثين يركزون غالبا على وسيلة واحدة او وسيلتين، وعادة ما يتم اختبار التلفزيون والصحف اليومية، وعقد مقارنات بينهما.

ولدراسة قوة الاجندة السياسية الممكنة للتأثير على الجمهور الذين يشاركون في الانشطة السياسية يقسم كوبCobb والدرElder ترتيب الاولويات الى نوعين :

اولاً: الاولويات المنتظمة، ويسندانها الى مجموعة من الاختلافات السياسية التي تقع في مدى الشرعية والتي تتعلق باستحواذ اهتمام الجمهور. وفي الاعلام العربي نجد من اشكال الاجندة المنتظمة الصراع العربي – الاسرائيلي.

ثانياً: الاجندة المؤسساتية، ويضعها اصحاب القرار في مؤسسة ما وهي عبارة عن مجموعة من الموضوعات المبرمجة لسبب جاد وفعال. وتلعب وسائل الاعلام دورا هاما في تصعيد مجموعة قضايا المؤسسات لتصبح ضمن الاولويات المنتظمة. وهناك فرصة لعودتها مرة اخرى الى الاولويات المؤسساتية.

العوامل المؤثرة في وضع الاولويات

تفترض النظرية ان تاثيرات وسائل الاعلام تعتمد على مجموعة من المتغيرات والعوامل الوسيطة التي قد تزداد او تضعف تاثير وسائل الاعلام لدى الجمهور وهي:

1- طبيعة القضايا ونوعها: ويقصد بها عما اذا كانت القضايا ملموسة او غير ملموسة، وان تاثيرات وسائل الاعلام تزداد في حالة القضايا الملموسة التي يتم ادراكها بصورة اكبر.

2- الاتصال الشخصي: ان وسائل الاعلام تسهم في تشكيل الاجندة الاخبارية للافراد الذين يشاركون في محادثات مع الاخرين حول اجندة القضايا التي تثيرها وسائل الاعلام بدرجة اكبر من الذين لا يمارسون الاتصال الشخصي.

3- نوع الوسيلة: توصلت الدراسات الاعلامية الى ان التلفزيون يعد وسيلة فعالة اكثر من الصحف في وضع الاجندة على المدى القصير في حين تحقق الصحف تاثيرات في وضع الاجندة على المدى الطويل.

4- اهمية القضايا: افترضت دراسة "كارتر وزملائه" وجود علاقة ارتباط ايجابي بين درجة اهتمام الجمهور بالقضية وزيادة حصولها على اولويات اكبر، واشارت الى زيادة الاهتمام بالقضايا التي تسبب التهديد والخوف مثل: التلوث والايدز عن القضايا التي لا تكون تهديدا مباشرا مثل: الاجهاض والحرب النووية.

5- توقيت اثارة القضايا: تقوم وسائل الاعلام بدورها في ترتيب الاولويات ايام الانتخابات بشكل اقوى منها في غير اوقات الانتخابات ومن امثلة هذه الدراسات: دراسة "روبرتس" حول التنبؤ بسلوك التصويت الانتخابي. ودراسة "بروسياس وكيبلنجر" حول تاثير وسائل الاعلام على الميول الانتخابية في المانيا.

خاتمة

لنظرية ترتيب الاولويات علاقة ارتباط مع نظريات الاعلام الاخرى، فهي ترتبط بنظرية حارس البوابة التي تتعلق بالقائم بالاتصال التي تتعلق بكيفية تحكم القائم بالاتصال بكم الاخبار والمعلومات التي سوف تصل الى الجمهور، بالإضافة الى كيفية تناول هذه الاخبار والموضوعات وهي عملية بمجملها تعني تحديد ما هو مهم وقليل الاهمية لدى المؤسسة الاعلامية والتي بدورها تريد من الجمهور ان يتبنى هذا الترتيب في الاهمية.

ومن جانب اخر للنظرية علاقة بنظرية الاستخدامات والإشاعات فهي تؤكد على ان تركيز وسائل الاعلام على قضية معينة يرفعها في سلم اولويات الجمهور وهذه ترتبط بالاستخدام الكثيف من خلال العلاقة بين العرض المكثف من قبل الوسيلة الاعلامية والاستخدام الكثيف من قبل الجمهور.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قائمة المصادر
1. حسن عماد مكاوي وليلى حسن السيد، الاتصال ونظرياته المعاصرة، ط8، بيروت، الدار المصرية اللبنانية، 2009.
2. حسني محمد نصر، نظريات الاعلام، العين، دار الكتاب الجامعي، 2015.
3. صالح خليل ابو اصبع، الاتصال والاعلام في المجتمعات المعاصرة، ط5، عمان، دار مجدلاوي، 2006.
4. محمود قلندر، نظريات الاتصال من عصر الجماعة الى عصر الجماهير، عمان، مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع، 2016.
5. ميرفت الطرابيشي وعبد العزيز السيد، نظريات الاتصال، القاهرة، دار النهضة العربية، 2006.
6. منال هلال مزاهرة، نظريات الاتصال، عمان، دار المسيرة للنشر والتوزيع، 2012.
7. مي العبد الله، نظريات الاتصال، ط2، بيروت، دار النهضة العربية، 2010.

ذات صلة

أساليب التضليل الدعائي عبر وسائل الاعلامالنبأ تناقش وكالات الأنباء في العراق والطريق الى الاحترافيةخاشقجي وابن سلمان: انتحار مزدوج للصحافي والأميرانا صحفي: ما هي وظيفتي؟الكوميديا السياسية بالعربية