العراقيون وسيكولوجيا الاعتذار

مداخلة هيفاء الأمين مثالا

د. قاسم حسين صالح

2019-05-15 10:54

لا يعنيني هنا المواقف السياسية والتفسيرات والتأويلات (مع او ضد) ما جاء في مداخلة النائب السيدة هيفاء الأمين في بيروت التي تحدث عنها الاعلاميون وجمهور الفيسبوك وجعلوا منها قضية اكبر من حجمها بكثير، انما دراسة سيكولوجيا الاعتذار عند العراقيين وعلاقتها بطبيعة الشخصية العراقية.. في تساؤلين: هل ان العراقيين هم اصعب خلق الله؟ ،وهل ان التسامح يصعب على الشخصية العراقية لعقد نفسية تتحكم بها؟..وتساؤل ثالث له علاقة:

ما الموقف الأفضل للسيدة هيفاء الأمين: اعتذارها بقولها (خانني التعبير)،ام التوضيح والدفاع عن مضمون مداخلتها؟

تمعن في تاريخ شعوب العالم فانك لن تجد أصعب من العراقيين في علاقتهم بالسلطة او بمن يمثلها. فتاريخهم يحدثنا بأنهم أكثر الشعوب قياما بالثورات والانتفاضات، واللافت أن جوهر المسألة لا يتعلق فقط، بظلم السلطات التي حكمتهم، بل بطبيعتهم الشخصية ايضا.. ولهذا كان الخلفاء الراشدون أول الحكّام في التاريخ الاسلامي الذين فهموا سيكولوجية العراقي فكانوا يراعون العراقيين في التعامل ويأخذون اعتراضاتهم مأخذ الجد.

ومشكلة السياسي العراقي أنه مصاب بـ(تضخّم الأنا) وحب الشهرة.. بمعنى أنه يرى نفسه الأجدر والأحق بالقيادة. وما لا يدركه كثيرون انه ينجم عن هذه العلّة أمراض سلوكية أخطرها (العناد العصابي)..وتعني الأصرار على الموقف حتى لو كان خاطئا، بطريقة يبدو فيها للآخرين محيّرا، وخالقا لأزمات تحدث فوضى فكرية يختلط فيها خطأ وصواب أطراف الأزمة.. وأحداث ما بعد 2003 تثبت ذلك.

والعراقيون عموما مصابون بعقدة الخلاف مع الآخر والبعد عن الاتفاق فيما بينهم، حتى في القضايا التي تهدد حياتهم بالخطر لدرجة أنهم ما اتفقوا على واحد من بينهم يكون ملكا عليهم فاستوردوا لهم ملكا يحكمهم. ويندر أنهم حلّوا خلافاتهم بالتفاهم فكانوا أول من قام بانقلاب عسكري في المنطقة (1936).. وأبشع من قتلوا ملوكهم ومثلّوا بجثثهم، ثم صاروا يترحمون عليهم. وأنهم ما اتفقوا حتى على عبد الكريم قاسم الذي قتلوه ولم يجدوا بجيبه ما يساوي دينارا.

وعقدة ثالثة في الشخصية العراقية انها من نوع (اما..أو) وهذا النوع من الشخصية يضعك بين خياريين، كليهما لصالحه ويشترط مسبقا شروطا حادة تقع في اضيق الزوايا واسوأ الأماكن، ويعمد الى اغلاق الحوار ليدفعك اما الى القبول برأيه.. او أن يدبّر لك مكيدة فكرية، اجتماعية، سياسية.

لتلك الأسباب، لتلك العقد.. فأن ما حصل من ردود فعل سلبية ضد مداخلة السيدة هيفاء الأمين كان متوقعا، سيما وانها شيوعية، وامرأة في مجتمع عشائري، وعضوة برلمان تطالب بما يتعارض مع مصالح احزاب اسلامية تنفرد بالسلطة والثروة.. وحكّام قال عنهم كبيرهم الذي حكم العراق ثمان سنوات (ان الأحزاب الأسلامية في العراق استطاعت ان تدحر الماركسيين والعلمانيين والحداثويين وان تنتصر عليهم)..مع انه رئيس وزراء ينبغي ان يكون ممثلا لكل العراقيين.

وجوابا على التساؤل: (ما الموقف الأفضل للسيدة هيفاء الأمين: اعتذارها بقولها "خانني التعبير"، ام التوضيح والدفاع عن مضمون مداخلتها؟).

ان الشخصية العراقية تعتبر التسامح هوانا، تساهلا، ضعفا، استجداءا، او خوفا، وليس كما يفهمه المتنورون بأنه فضيلة، ولا كما تفهمه الأديان والثقافات التي نبّه لها معهد جنيف لحقوق الانسان بان التسامح "قيمة ما خلا منها مذهب او معتقد او دين او ثقافة"، فيما قدّم عراق ما بعد التغيير (انموجا) للمتطرف طائفيا انه يتصيد هفوات وزلات لسان الخصوم فيستثمرها لشن الهجوم ولن يغفرها حتى لو ركع متوسلا.

وكان على السيدة هيفاء ان لا تعتذر بطريقة (خانني التعبير) التي ارادت بها استرضاء هذا الصنف من الخصوم، بل ان توضح بأن تخلّف الجنوب هو حقيقة واقعة من حيث انعدام الخدمات وارتفاع البطالة وزيادة نسبة الفقر، توثقها باحصاءات الجهاز المركزي للأحصاء، وتستشهد بشركات استثمار جاءت للبصرة وأرغمتها العشائر على دفع فصل عشائري، لتعلن ان سبب هذا التخلف هو احزاب الاسلام السياسي التي انفردت بالسلطة والثروة وما جلبت للعراقيين غير الفواجع وخراب وطن يمتلك من الثروات ما يجعل اهله يعيشون برفاهية.. وتستعين بقول المرجعية الذي جاء على لسان الشيخ عبد المهدي الكربلائي(ان انشغال الطبقة السياسية بالنزاعات والتجاذبات والأختلافات على المواقع والمناصب، ادخل البلد في دوامة من عدم الاستقرار والتخلف عن بقية الشعوب..)..وبهذا فانها تنقل الخصم من موقف الهجوم الى موقف الدفاع، وتنقل جماهيره، والأخرى المتفرجة، من حالة الشحن الانفعالي (الطائفي) الى حالة التفكير بما حصل له ولأهله والوطن من فواجع وخراب.

ختاما..نصيحة لكل العراقيين حين يتحدثون للغرباء، ان لا تسيئوا لشعبكم، وتذكّروا ان بلاد ما بين النهرين (ميسوبوتاميا) فيها نشأت حضارات سومر وأكد وبابل وآشور وكلدان، وكان متوقعا للعراق ان يخرج في العام 1989من خانة الدول النامية الى خانة الدول المتقدمة لولا حماقة حاكم ادخله في حرب كارثية، وأنه بما يملك من ثروة وعقول تحتل الآن مواقع متقدمة في مؤسسات وجامعات العالم، ان يستعيد دوره الحضاري لولا ان جاء التغيير(2003) بحكّام اعتبروا العراق غنيمة لهم فتقاسموه وجاءوا بجهلة جعلوا بغداده اسوأ عاصمة للعيش، ووطن الأنبياء والأئمة ثالث افسد دولة في العالم.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

ذات صلة

الشباب العراقي قادرٌ على التغيير جذرياًرئيس وزراء ضعيف لن يزيد الدولة إلا ضعفا وترهلاالبطالة في العراق: مخاطر وحلولتظاهرات الشباب دراسة تحليلية من منظور علم النفس والاجتماع السياسيتوحّش المجتمع