خاشقجي وابن سلمان: انتحار مزدوج للصحافي والأمير

مسلم عباس

2018-10-11 07:45

حتى فترة الأشهر الأولى من عام 2018 لا تزال سياسات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان محل ترحيب من قبل دوائر السياسة الغربية، وبين الكثير من الأوساط الإعلامية في تلك الدول، نقرأ يوميا عشرات التقارير والمقالات التي تتحدث عن التحولات الجديدة في السعودية وما يمكن ان تحدثه من نقلة نوعية على مستوى الوعي في المجتمع السعودي.

رؤية 2030 للطلاق من النفط، ومشروع نيوم، وخصخصة شركة ارمكو العملاقة، اهم المنجزات الاقتصادية التي يعول عليها محمد بن سلمان، واستطاع حشد دعم محلي وعالمي منقطع النظير، فهو لامس العصب الحساس في تلك الدول، لانه عرف بان لاعابهم يسيل عند سماع صوت المال، وقد عبر الرئيس الأمريكي صراحة عن حبه لاموال السعودية وتشوقه لاخذ الكثير منها على شكل صفقات أسلحة.

في السياسة فتح محمد بن سلمان اختراقات كبيرة لسياسة بلاده الخارجية، وجعل المستحيل مفعولا به على ارض الواقع، زيارات وندوات سرية وعلنية مع إسرائيل، تلك هي اليد التي تطلب السلام الذي طال انتظاره منذ 70 عاما، نقلته هذه المبادرة الجديدة الى اعلى درجات قادة السلام في العالم.

لا يتوقف محمد بن سلمان عند هذا الحد، يتفق مع الإدارة الامريكية على تمرير صفقة كبرى حملت اسم "صفقة القرن" كما تصفها وسائل الاعلام، تقوم على تصفية القضية الفلسطينية وتجعل من إسرائيل دولة طبيعية وليست كيانا طفيليا يجب اقتلاعها كما كان في السابق. لكنه ركز على عدو جديد صب كل جهوده لمحاربته، انها ايران تلك الدولة الشريرة التي يجب اقتلاع نظامها من جذوره، واذا لم تنجح محاولات الضغط من الخارج فيجب نقل المعركة الى الداخل الإيراني كما يقول ابن سلمان. هنا تصفق الصحافة الغربية بقوة وتنتظر بلهفة تطبيق المشروع.

اما على المستوى الداخلي فهو المصلح الأول، حامل راية التغيير، يبدأ التغيير بتحويل فندق "ريتز كارلتون" الى معتقل فخم، يحتجز فيه الامراء والقادة الكبار في المملكة، والهدف الاستيلاء على أموالهم عنونة وبدون أي مسوغ قضائي، فالحاكم محمد بن سلمان وهو الخصم والحكم، حصل على اكثر من 50 مليار دولار في تلك الحملة كما تشير التسريبات، كما اعلنها صراحة ان القضية حلت بالتسويات بدون اللجوء الى القضاء، بمعنى انه لا يعترف بشيء اسمه مؤسسات. تنتفض الصحافة الغربية ضد هذه الإجراءات التعسفية لكن بخجل، وتاتي كندا معترضة فيتم صفعها بقطع العلاقات الدبلوماسية معها.

في اليمن حرب متواصلة ونهر الموت لا يوقفه شيء، فالملك يريد الانتصار على عدوه الحوثي بجيش غالبيته من الاخوان المسلمين، لا يريد بن سلمان ان يستغلوا فرصة النصر ليركبوا هم الموجوة فيقوم باضعافهم هنا وهناك، وفي هذه المعادلة المعقدة يذبح الطفل والشاب وطالب المدرسة بالغارات الجوية او بالموت البطيء تحت رحمة الجوع والعطش، فبلاد اليمن خارج دائرة الوجود الإنساني هذه الأيام وهي تعيش أسوأ كارثة عرفها التاريخ. هنا أضيفت صفحة سوداء جديدة في سجل الرجل الشاب الذي بات من الصعب تحاشي انتقاده.

بينما ترتفع أصوات النقد منادية بإيقاف ماكنة محمد بن سلمان المحملة بالكثير من جثث اليمنيين ومعتقلي الراي في بلاده، والأزمات التي اثارها في المنطقة مع قطر وايران وكندا وألمانيا وتركيا، يذهب الأخير في مشروعه، وتقوم القنصلية السعودية باختطاف الصحافي الشهير جمال خاشقجي وقتله وتقطيع جسده، بحسب ما قالت صحيفة "واشنطن بوست". ما اثار الراي العام العالمي.

لا يخشى محمج بن سلما مما جرى على خاشقجي، فهو الذي استطاع توجيه صفعة لاقوى سلطة في بلاده، وهم رجال الدين الذين يمثلون الركن الثاني في الحكم، وجعل الحكم قائم على عائلة ال سلمان فقط. كل الآراء ممنوعة والنقد الذي يوجه لسياساته الداخلية والخارجية لا يمكن التسامح معه سواء كان من رجال الدين او صحفي يعمل في صحيفة أمريكية كما هو الحال مع جمال خاشقجي، فالامير لا يخطئ، وعلى الجميع تنفيذ الأوامر او الصمت..

كثيرة هي الاخطاء التي ارتكبها محمد بن سلمان في سياساته الداخلية والخارجية؛ فهو لا يملك استراتيجية واضحة، ويعتمد على الانتقام فقط، لكن ربما تكون ازمة اختفاء وربما قتل الصحافي المشهور جمال خاشقجي من اكبر تلك الأخطاء، وهو ما ينذر بارتدادات عكسية تزيد من مشاكل السعودية في الميادين السياسية والعسكرية الساخنة.

ذات صلة

الإعلام الأمريكي بين مخططات الاحتلال والاختلال...!مغازلة روسية ومكيدة سعودية تسبق اجتماع أوبكانهيار منبر للمحافظين الجدد وصعود مؤقت لتيار شعبوي ديماغوجيقطر تفسخ علاقتها مع الأوبك: أنا المشكلة، لا أنتالعولمة والإعلام: أثمة مبالغات؟