هل ستتحول قوات الحشد الشعبي الى باسيج عراقي؟

المونيتور

2018-10-04 07:30

بقلم حمدي ملك

 

يوسّع الحشد الشعبيّ حضوره في مدينة البصرة الاستراتيجيّة عن طريق تشكيل قوّات التعبئة التي تشبه بالاسم والوظائف قوّات "الـباسيج" الإيرانيّة، الأمر الذي يولّد ردود أفعال سلبيّة في المدينة الغنيّة بالنّفط.

في بادرة توحي بنيّة الحشد الشعبيّ توسيع حضوره وازدياد عدد كوادره في العراق، أعلنت هيئة الحشد الشعبيّ -مكتب البصرة في 12 أيلول/سبتمبر عن تشكيل قوّات التعبئة الاحتياطيّة الطوعيّة. وفي الوقت نفسه، يواجه هذا التوسّع اعتراضات جمّة من قبل جهات مختلفة في الساحة العراقيّة.

وتتكوّن هذه القوّة من 10 ألوية، كوجبة أولى، بحسب بيان الحشد الشعبيّ.

ويأتي تشكيل هذه القوّة، ردّاً على المظاهرات التي عمّت البصرة في بداية أيلول/سبتمبر الحاليّ، والتي حرق المتظاهرون فيها مكاتب عدّة تابعة إلى جهات في الحشد الشعبيّ القريبة من إيران، فضلاً عن القنصليّة الإيرانيّة في المدينة.

وأكّد البيان أنّ هذه المبادرة جاءت بسبب "ما جرى من استغلال لمطالب المتظاهرين من قبل المخرّبين المدعومين من جهات خارجيّة،... وحرق وتدمير الممتلكات العامّة ومحاولة المساس بالحشد الشعبيّ، ولكي يتصدّى الشباب البصريّ للأخطار المحتملة في مناطقه بنفسه".

ولقسم التعبئة نشاطات ثقافيّة منذ فترة، من ضمنها إقامة مخيّمات ثقافيّة، تعلّق فيها صور المرشد الأعلى الإيرانيّ علي خامنئي والأمين العام لـ"حزب الله" اللبنانيّ السيّد حسن نصر الله.

وكان الحشد الشعبيّ قد استنفر قوّاته في البصرة، بعد أحداث التخريب في المدينة، وقال رئيس هيئة الحشد في البصرة عمّار فارس، بـ8 أيلول/سبتمبر: "إنّ الانفلات الأمنيّ الواضح في البصرة حتّم علينا النزول إلى الشارع لحفظها". وفي 15 أيلول/سبتمبر، خرجت مسيرة داعمة للحشد الشعبيّ.

وخلقت ممارسة الحشد الشعبيّ دوراً أمنيّاً داخل المدن العراقيّة الجنوبيّة، خصوصاً في البصرة، والذي تزامن مع أخبار تشكيل قوّات التعبئة، ردّة فعل سلبيّة من قبل نشطاء المجتمع المدنيّ الذين يعارضون وجود المظاهر الإيرانيّة في المدينة منذ فترة.

ومن بين الأمور التي أثارت حفيظة هذه الجهات هو الاسم (التعبئة) الذي أطلق على هذه القوّات، والذي يعادل اسم "الباسيج" بالفارسيّة.

وإنّ "الباسيج" هي منظّمة شبه عسكريّة تابعة إلى الحرس الثوريّ الإيرانيّ تشكّلت في عام 1979 وتقوم بأدوار عدّة، من ضمنها الثقافيّة والخدميّة، فضلاً عن دورها الأمنيّ، وهي تعتبر بمثابة العين الساهرة للحرس الثوريّ في مجمل المنظّمات والمؤسّسات الحكوميّة وشبه الحكوميّة في الجمهوريّة الإسلاميّة.

وهناك مقاومة من قبل نشطاء المجتمع المدنيّ ووسائل التواصل الاجتماعيّ ضدّ توسّع نفوذ إيران في هذه المدينة الاستراتيجيّة، فصفحات التواصل الاجتماعيّ كصفحة "الـبصرة" على "فيسبوك" التي تجلب الملايين من التفاعلات أسبوعيّاً، تعارض ما تراه سلب الهويّة العراقيّة ونشر إيديولوجيّة الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة في هذه المدينة.

وفي هذا الإطار، وصف الناشط المدنيّ نائل الزامل في 17 أيلول/سبتمبر تشكيل قوّات التعبئة بـ"محاولة لتوسيع رقعة الحشد وتحويله إلى تنظيمات داخل المناطق، ومحاولة لعسكرة المجتمع، وأداة هيمنة وتجسّس على المواطنين، على غرار ما كان يحدث في المنظّمات الحزبيّة في عهد البعث المنحلّ".

وتطابقت رؤية نائل الزامل مع مرتضى علي، وهو أحد الناشطين المدنيّين والمشاركين في تظاهرات البصرة، والذي قال في اتّصال مع "المونيتور": "نحن نرى نزول قوّات الحشد الشعبيّ إلى الشارع وتشكيل قوّات التعبئة أنّهما تخويف وتلويح بالقوّة ضدّ المتظاهرين".

أضاف: "نبدي تخوّفنا من أن تكون هذه القوّات أداة لقمع الاحتجاج البصريّ المعارض للأحزاب الحاكمة التي تشكّل الفصائل في الحشد أجنحتها العسكريّة، وقوّات التعبئة ستكون بالولاء ذاته لهذه الأحزاب التي يرفضها الشارع البصريّ".

ويبدو أنّ المؤسّسات التابعة إلى الدولة الإيرانيّة تعي الدور الذي يلعبه هؤلاء النشطاء في مقاومة النفوذ الإيرانيّ. ولهذا، بدأت بحملة إعلاميّة ضدّهم. ونشرت وكالة "مهر" الإيرانيّة، في خطوة غير مسبوقة، تقريراً بـ13 أيلول/سبتمبر باللغتين الفارسيّة والعربيّة اتّهمت فيه 3 نشطاء مدنيّين من شباب البصرة وشابّاتها بالعمالة للولايات المتّحدة الأميركيّة وبلعب "دور كبير في تحريك شارع البصرة ونقل المتظاهرين إلى مرحلة الشغب"، عن طريق التنسيق مع القنصليّة الأميركيّة في المدينة.

وتزعم الوكالة التابعة إلى "منظّمة الإعلام الإسلاميّ" المقرّبة جدّاً من النظام الإيرانيّ أنّ الهدف هو ضرب "مكانة إيران في المنطقة... وتقسيم الشرق الأوسط، لا سيّما العراق".

وكان معاون هيئة الحشد الشعبيّ أبو مهدي المهندس قد اتّهم في 9 أيلول/سبتمبر القنصليّة الأميركيّة بتوجيه عمليّات حرق مقرّات الحشد.

ولا يقدّم تقرير وكالة "مهر"، الذي يضع أرواح هؤلاء النشطاء في خطر، أيّ دليل على ادعاءاته الخطيرة، سوى أنّهم قد شاركوا في دورات تدريبيّة أقيمت من قبل القنصليّة الأميركيّة في البصرة. واتّصل "المونيتور" بعدد من هؤلاء النشطاء، لكنّهم رفضوا جميعاً الإدلاء برأي، خوفاً على أنفسهم.

ولفتت المؤشّرات السابقة إلى أنّ هناك تخوّفاً من تحوّل الجنوب العراقيّ، وخصوصاً مدينة البصرة التي تُعتبر الشريان الاقتصاديّ للعراق لامتلاكها أكبر آبار النفط والغاز في البلاد، فضلاً عن أنّها المنفذ البحريّ الوحيد للعراق، إلى منطقة شبيهة بالجنوب اللبنانيّ.

ويواجه هذا التوسّع الإيرانيّ في البصرة وعموم العراق عن طريق الأحزاب والفصائل شبه النظاميّة اعتراضاً من قبل جهات أخرى غير النشطاء المدنيّين، إذ حاول مقتدى الصدر، وهو زعيم قائمة "سائرون" التي فازت بأكبر عدد من المقاعد في الإنتخابات البرلمانيّة الأخيرة، إبعاد تيّاره من الهيمنة الإيرانيّة.

ومن جهته، قدّم المرجع الدينيّ الأعلى في العراق علي السيستانيّ نموذج حكم يختلف تماماً عن الحكم الدينيّ الإيرانيّ المعروف بولاية الفقيه، إذ أيّد إقامة دولة مدنيّة، وهي نظام حكم علمانيّ يحترم الخصوصيّة الدينيّة للشعب.

ولا تتبع كلّ فصائل الحشد الشعبيّ إيران، بل هناك فصائل مهمّة كفرقة العبّاس القتاليّة، القريبة من علي السيستاني، لا تقيم أيّ نوع من العلاقات مع الجانب الإيرانيّ.

ويبدو أنّه بعد إخراج "داعش" من المدن العراقيّة، بدأ يشتدّ الصراع بين الجهات القريبة إلى إيران التي تسعى جاهدة في زيادة نفوذها في العراق، خصوصاً في المناطق الاستراتيجيّة كمدينة البصرة من جهة، وجهات أخرى لا تريد أن يدور العراق في فلك إيران، بعضها مدنيّة وأخرى دينيّة - شيعيّة.

http://www.al-monitor.com

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

ذات صلة

اللّاعنف: القوة الخارقةهل ستطيح تظاهرات البصرة بحكومة عبد المهدي؟البصرةُ في مهبّ الفكر المسمومأسر إيرانية فرقها حظر السفر وجمعتها مكتبة على حدود كندا وأمريكاالعراق ما بين الحياد المتوازن وسياسة المحاور