مجالس المحافظات بين شرعيَّة الدستور وضرورة الإلغاء

العلاء صلاح عادل

2026-08-18 04:18

قد نختلف كثيراً في تقييم تجربة مجالس المحافظات في العراق، وقد نصل إلى قناعة كاملة بأنها لم تعد تؤدي الدور الذي أُنشئت من أجله، لكن هذا الموقف السياسي أو الشعبي لا يعني أن الطريق إلى إلغائها يمكن أن يمر من خارج الدستور والقانون. فالدولة لا تُبنى بالرغبات، حتى وإن كانت مبررة، وإنما بالمؤسسات والقواعد الدستورية التي تنظم العلاقة بين السلطات وتحدد صلاحيات كل منها.

ومن هنا، فإن الحديث عن حل مجالس المحافظات بقرار سياسي أو نيابي يثير إشكالية دستورية وقانونية ينبغي عدم تجاوزها. فمجلس النواب منتخب من الشعب، ومجالس المحافظات كذلك تستمد شرعيتها من الانتخابات، كما أن نظام المحافظات غير المنتظمة في إقليم ومجالسها يستند إلى أحكام دستورية وتشريعات نافذة. وبالتالي فإن أي إجراء يراد منه إنهاء وجود هذه المجالس أو تعطيلها بصورة دائمة يجب أن يسلك الطريق الدستوري والقانوني الصحيح، وأن يخضع في نهاية المطاف لرقابة المحكمة الاتحادية العليا عند وجود نزاع بشأن دستوريته.

لكن الدفاع عن احترام الدستور لا يعني بالضرورة الدفاع عن تجربة مجالس المحافظات نفسها. وهنا يجب الفصل بوضوح بين أمرين: شرعية وجود المؤسسة من الناحية الدستورية والقانونية، ومدى نجاحها من الناحية السياسية والإدارية. 

فمن الممكن أن تكون المؤسسة قائمة وفق الدستور، وفي الوقت نفسه تكون تجربتها بحاجة إلى مراجعة جذرية أو حتى إلى إلغاء دستوري إذا ثبت أنها أصبحت عبئاً على الإدارة المحلية. وبالنسبة لي، فإن تجربة مجالس المحافظات بصورتها الحالية لم تقدم النموذج الذي كان مأمولاً منها. 

فقد كان الهدف الأساسي من اللامركزية الإدارية هو تقريب القرار من المواطن، ومنح المحافظات مساحة أكبر لإدارة شؤونها بعيداً عن المركزية المفرطة، وتسريع إنجاز المشاريع والخدمات والاستجابة للمشكلات المحلية. إلا أن الممارسة أظهرت في كثير من الأحيان صورة مختلفة، إذ تحولت بعض المجالس إلى ساحات للصراع السياسي وتقاسم النفوذ والمناصب.

وأصبحت خلافات القوى السياسية في بغداد تنتقل إلى المحافظات بصورة شبه مباشرة، حتى بدا المجلس في بعض الحالات وكأنه نسخة مصغرة من التفاهمات والخلافات الحزبية في المركز. وعندما يحدث ذلك، تضيع فلسفة الإدارة المحلية؛ لأن المواطن لا يحتاج إلى مؤسسة سياسية جديدة تعيد إنتاج الصراعات نفسها، وإنما يحتاج إلى إدارة قادرة على توفير الخدمات وتنفيذ المشاريع ومحاسبة المقصرين، بل إن تعدد مراكز القرار داخل المحافظة قد يتحول من وسيلة للرقابة والتوازن إلى سبب للتعطيل. فالصراع بين المحافظ والمجلس، أو بين الكتل داخل المجلس، يمكن أن ينعكس على اختيار المسؤولين وإدارة الملفات المحلية وتنفيذ الخطط والمشاريع. 

وفي النهاية، المواطن هو من يدفع ثمن هذا التنافر، لقد مر العراق أيضاً بمرحلة عملت فيها المحافظات من دون مجالس منتخبة لسنوات، وهي تجربة تستحق دراسة علمية وإدارية دقيقة، بعيداً عن المواقف السياسية المسبقة. فإذا أثبتت المؤشرات أن بعض المحافظات حققت مستويات أفضل من الاستقرار الإداري أو الإنجاز في غياب المجالس، بينما شهدت مراحل أخرى تلكؤاً نتيجة الصراع بين المؤسسات المحلية، فإن ذلك يفرض سؤالاً مشروعاً: هل ما زالت مجالس المحافظات بصيغتها الحالية ضرورة فعلية لإدارة المحافظات؟

إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن البديل الذي يستحق النقاش هو الانتقال مستقبلاً إلى نموذج يمنح المواطن دوراً مباشراً في اختيار السلطة التنفيذية المحلية، من خلال انتخاب المحافظ ونائبيه مباشرة من أبناء المحافظة، بدلاً من إخضاع اختيار المحافظ للمفاوضات والتحالفات بين الكتل داخل مجلس المحافظة.

هذا النموذج يمكن أن يمنح المحافظ شرعية شعبية مباشرة، ويجعل المواطن أكثر قدرة على محاسبته سياسياً في الانتخابات اللاحقة. فبدلاً من أن يكون منصب المحافظ نتيجة اتفاق بين مجموعة من القوى السياسية، يصبح نتيجة اختيار الناخبين أنفسهم، ويعرف المواطن بصورة أوضح من المسؤول عن نجاح الإدارة المحلية أو إخفاقها، لكن الانتخاب المباشر للمحافظ لا يعني منحه سلطة بلا رقابة. 

فإذا أُعيد بناء النظام المحلي بهذه الطريقة، فلا بد من إيجاد منظومة رقابية قوية وشفافة، تشمل القضاء والجهات الرقابية والتدقيق المالي والإداري، فضلاً عن دور مجلس النواب والمؤسسات الاتحادية ضمن حدود اختصاصاتها، مع تعزيز الشفافية وإتاحة المعلومات للرأي العام.

الأهم من ذلك كله أن الانتقال إلى أي نموذج جديد يجب ألا يتم بقرار متعجل أو بتجاوز النصوص الدستورية. فإذا كانت مجالس المحافظات تستند في وجودها واختصاصاتها إلى الدستور، فإن إنهاء هذه التجربة بصورة نهائية يستلزم معالجة الأساس الدستوري والقانوني وفق الآليات التي حددها الدستور نفسه، وليس القفز عليه.

فالقاعدة التي يجب أن نتمسك بها بسيطة: قد نرفض مؤسسة دستورية ونطالب بتغييرها، لكن لا يجوز أن نهدم الدستور من أجل التخلص منها. لأن قبول تجاوز الدستور عندما يتفق ذلك مع رغبتنا السياسية يفتح الباب أمام تجاوزه مستقبلاً في قضايا قد نختلف معها، لذلك، فإن الموقف الأكثر اتساقاً هو المطالبة بمراجعة شاملة لنظام الإدارة المحلية في العراق، ودراسة تجربة مجالس المحافظات منذ تأسيسها وحتى اليوم بالأرقام والمؤشرات، ثم الذهاب، إذا ثبت فشل النموذج، نحو تعديل دستوري وقانوني واضح ينهي وجودها ويؤسس لنظام أكثر بساطة وفاعلية، يكون فيه انتخاب المحافظ ونائبيه مباشراً من الشعب، مع بناء منظومة رقابية حقيقية تمنع الاستبداد المحلي والفساد.

العراق بحاجة إلى إدارة محلية تخدم المواطن، لا إلى طبقة إضافية من الصراعات السياسية. وإذا أصبحت مجالس المحافظات جزءاً من المشكلة بدلاً من أن تكون جزءاً من الحل، فمن المشروع المطالبة بإلغائها وتقديم بديل أفضل، ولكن عبر الدستور لا فوقه، وعبر القانون لا بتجاوزه، إلغاء مجالس المحافظات قد يكون خياراً يستحق النقاش، لكن احترام الدستور ليس خياراً؛ بل هو الأساس الذي ينبغي أن تبدأ منه أي عملية إصلاح حقيقية للدولة.

ذات صلة

إشارات قرآنية للإمام الشيرازي.. المؤرخ، الرجاء، العمل، البطولة، التحدياتمركز المستقبل ناقش.. دينامية زيارة الاربعين ورهانات تحول الدولة المأزومةعفّة النساء: ذاتية أم مفروضة عليها؟المثقف بين الحياة والحكمةالولايات المتحدة والمفاوضات على طاولتين