الصاعدون الجُدد يُخيفون الكبار!

مصطفى ملا هذال

2021-10-24 04:02

كان يا ما كان، في قديم الزمان، كانت هنالك كتل تتصدر المشهد السياسي في العراق وتتحكم بجميع القرارات الداخلية والخارجية المتعلقة بسياسة البلد، اما اليوم فقد اُخترق درعها الحصين وتمكنت القوى الصغيرة من فك الحصار والوصول الى المناطق الحساسة التي كانت تختبئ فيها الكتل السياسية لتنفيذ اجندتها وبرامجها.

ما اقلق الكتل الكبار هو الصاعدين الصغار كما يروهم، الذين قفزوا بصورة غير متوقعة ونافسوا الوجوه التقليدية التي اعتادت الجماهير على تسلطها وتسيدها الموقف طيلة السنوات الماضية، وذاع صيتهم بالصورة السلبية التي رسخوها في اذهان الجماهير المناصرة لهم والمدافعة عنهم في جميع الأوقات.

الجماهير غير راضية عن الطبقات الحاكمة منذ أكثر من عقد ونيف، ولذلك ترجمت هذا الغضب واوصلته عبر صناديق الاقتراع، وهو ما جن جنون الجهات المتسيدة، اذ لم تكن تتوقع هذا الإخفاق الكبير، وتمني نفسها بفوز ساحق تردده على المنابر الإعلامية، الى حين جاءتهم الضربة القاضية، وادخلتهم في دوامات عدة، منها دوامة التلاعب بنتائج الانتخابات والسيرفرات وغيرها ما يتعلق بالجوانب الفنية، الى جانب العوامل الدولية والتأثيرات الخارجية.

لكن في الحقيقة هذا هو الحجم الحقيقي لجمهوركم الذي خذلتموه طيلة الأعوام السالفة، ذرعتم لهم في الجنان، وعيشتموهم بحلم وردي طال انتظاره ولم يصل لغاية الآن، ولم تتوقفوا لهذا الحد حتى قمتم بتجييشهم وانزلتموهم للشارع لزيادة الضغط على الوضع العام وعلى الشركاء الفائزين.

وهنا اود ان اطرح الأسئلة التالية، لماذا تتظاهر عزيزي المواطن؟، هل تطالب ببقاء الأشخاص الذين وفروا الكهرباء وغيرها من متطلبات العيش الكريم؟، هل تحاول زيادة الخدمات المقدمة من الطبقات التي حكمت سنوات ولم تصل الى أدنى مستوى من الطموح بتقديم الخدمات المناسبة؟

جميع ما تقدم ذكره لم يتحقق في زمن الشخصيات التي خرجت من اجل المطالبة بحقوقها المضيعة في الانتخابات كما تزعم هي، إذا لماذا تتظاهر بعد هذا الخذلان كله؟، كان أحرى بك الوقوف الى جانب الشخصيات الجديدة الواعدة التي خرجت من رحم المعاناة والتي تحمل هم التغيير نحو الأفضل، فبهذا الوقوف ربما ستحقق ما لم تتمكن القوى السابقة تحقيقه.

الكتل الجديدة والجيل القادم تمكنت من ارعاب الكتل السابقة والمتجذرة في البرلمان وتستحوذ على جميع الفعاليات السياسية الحاصلة في البلد، لذلك ذهبت هذه الجماعات الكبيرة الى تضييق الخناق عليهم وحصرهم في مكان سيصعب معه تقديم الخدمة للجماهير التي انتخبتهم، وهنا لا أعني الخدمات العينية بالضرورة، لكن يمكن ان يتم تفعيل الدور الرقابي ومساءلة المقصرين.

المستقلون الصاعدون امامهم فرصة عظيمة للاستمرار بهذا الزلزال المدوي الذي هز اركان القوى القديمة، اذ عليهم العمل وفق منهج رصين وقواعد ثابتة لتحقيق الحلم المنتظر، وعليهم اولا تشكيل تحالف جامع للحركات الجديدة والمستقلين، شريطة ان يكون عابر للطائفية ومتجاوز للحدود الوضعية التي رسمها أصحاب المصالح الضيقة والمنفعة الشخصية.

وبهذه الخطوة تكون قد أضيفت كمية من الاوكسجين لإنعاش العملية السياسية التي اختنقت وكادت ان تفارق الحياة في الأيام الماضية، وهنا تكون المسؤولية مضاعفة امام الصاعدين من خلال بوابة الاستقلالية للبرلمان العراقي.

اما المسؤولية الثانية تتمثل بترصين آليات المراقبة والمتابعة عبر اللجان البرلمانية لتصويب عملها والتخلص من التداخل بعمل اللجان وصولا الى عمل مؤسساتي منتظم قائم على المصلحة العامة وخدمة المواطنين، اما الثالثة هي الثبات امام المغريات وعدم الانجرار وراء المكاسب المالية والمناصب الوقتية التي تنسيهم الهدف الأساس من الاحتجاجات التي اندلعت ومكنتهم من الوصول الى قبة مجلس النواب.

التحدي الذي ينتظر المستقلين كبير جدا ولا يمكن لاحد ان يتخيله، فهم اما ان يثبتوا قدرتهم على تحمل المسؤولية ويؤسسوا لقاعدة جماهيرية كبيرة ينالون ثقتها في الانتخابات القادمة، او ستتمكن منهم الكتل السابقة وتجرهم الى مستنقع الفساد والمعاملات المشبوهة التي جرت وتجري بين الشركاء السياسيين من مختلف الأحزاب بشقيها الإسلامي والمدني.

ولا تنسى النخب القديمة بأن امامها فرصة في السنوات الأربعة القادمة وتستطيع تصحيح المسار الخاطئ الذي سارت عليه في السابق لتتمكن من صناعة جمهور جديد لمنافسة القوى الصاعدة والتخلص من الشعور السيء الذي طالهم في الأيام القليلة الماضية وهو الخوف.

ذات صلة

المعارضة البرلمانية: دور مرفوضالانتخابات المبكرة: معطيات جديدة ام تلاعب في النتائج؟تصالحوا في بيت العامري: متى يتصالحون مع الشعب؟ملاحظات على نتائج الانتخاباتلقاء الصدر بالإطار التنسيقي: مشروع للحل أم تدوير مشكلة؟