هل تحتاج ساحات الاعتصام الى العصيان المدني؟

محمد علي جواد تقي

2019-11-07 11:14

ربما تكون المرة الاولى في التاريخ السياسي الحديث أن يستشعر العراقيون أنهم قادرون على التأثير في صنع القرار من خلال التظاهرات الاحتجاجية العارمة التي شهدتها العاصمة بغداد ومدن الوسط والجنوب، وبعد جولة دامية من المواجهات بين الشباب الغاضب وقوى الأمن و"مكافحة الشغب"، وسقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى، وجد الناس أنهم في المربع المتقدم يشكلون خطراً محدقاً بكراسي الوزراء والنواب والمدراء وجميع المسؤولين في مؤسسات الدولة، فكان رفع سقف المطالب الى درجات ربما لا يدركون استحالة تحقيقها قبل عدة أشهر على الأقل، وهذا ما بعث فيهم روح التحدي بالتواجد المستمر في ساحات الاعتصام، لاسيما ساحة التحرير وسط بغداد للمطالبة بتغيير يفضي الى مكافحة البطالة والفساد والمحاصصة الحزبية بشكل جدّي وحقيقي.

هنا يقفز السؤال في كيفية تحقيق هذه المطالب بعد انتقال المواجهة بين الجماهير والنظام الحاكم، من العنف وإراقة الدماء، الى المواجهة السلمية التي أعلنتها الجماهير من جانبها منذ البداية؟

في ساحة التحرير تحديداً وسوح الاعتصام الاخرى في سائر المدن ثمة مشاهد بهيجة يخلقها الشباب، بين من يعبّر عن رأيه بصوته، او ما يكتبه ويرفعه عالياً، وبين من يقدم الطعام والشراب للمعتصمين، وبين من مُسعف، وصاحب دراجة "تكتك" لنقل المعتصمين مجاناً هنا وهناك، غيرها من الفعاليات في أجواء صاخبة مشحونة بالعلم العراقي المرفرف في كل مكان. والجميع تتفق كلمتهم على التنديد بالأداء الحكومي وبنظام المحاصصة والفساد.

العصيان المدني لتوسيع مساحة الرفض الجماهيري

للرائي من بعيد لا يستشف من هذه الاجواء ما يخيف الحكومة بشيء يدفعها بقوة للإسراع في تحقيق المطالب مهما كانت مستحيلة وصعبة، فقد تم تحديد المكان، كما تم تحديد الخطاب المعارض ففهمت الطبقة السياسية كل شيء عن الشارع الغاضب، لذا تحركت باتجاه فتح باب التوظيف، وتحريك مشروع قانون الخدمة المدنية المثير للجدل في البرلمان منذ عشر سنوات، والمفترض انه يعني بتكافؤ الفرص واعتماد الكفاءة والحياد وغيرها من المعايير في العمل الوظيفي، كما تحدثت الحكومة عن اجراءات وصفها الناس بانها ترقيعية، وفي أحسن الفروض لكسب ودّهم وامتصاص نقمتهم، ولاستباق هذه الاجراءات الترقيعية وجد المعنيون بأمر التظاهرات الاحتجاجية الى دعوة الناس للعصيان المدني الذي يكون في العراق على شكل إضرابات تقودها النقابات، مثل نقابة المعلمين، فتتوقف المدارس وايضاً الجامعات عن التدريس لفترة من الزمن، ثم اتجهت الدعوة الى شريحة الموظفين في الدوائر الحكومية، بل وحتى العاملين في مصافي النفط، بل وحتى الموانئ البحرية، داعين العاملين في هذه القطاعات –كما حصل في ميناء أم قصر- بعدم الذهاب الى مكان عملهم، من خلال غلق الطرق المؤدية امامهم.

الغاية واضحة من هذه الدعوة، وهي توسيع مساحة الرفض والاحتجاج لتعم مناطق اخرى بما يزيد من وطأة الضغط على الحكومة للإسراع بتلبية المطالب، حيث ان وجود المعلمين والمدرسين والطلبة في سوح الاعتصام شكل صدمة غير متوقعة للحكومة، كما عبر عن هذا التصور، احد المدرسين بأن النقابة فاجأت الحكومة بما لم تتوقع، ولكن!

علينا أن نتعرف على فلسفة العصيان المدني، كما تعرفنا على فلسفة نظام الحكم الديمقراطي الذي لم يعهده العراقيون منذ تاريخهم القديم والحديث، وكيف يكون هذا العصيان والتمرّد الوسيلة الفضلى لتحقيق المطالب الجماهيرية من الحكومة؟

ان أول من بلور فكرة العصيان المدني؛ هو الفيلسوف والشاعر الأميركي هنري ديفد تورو (1817-1862)، وصاغها في كتاب نشره عام 1849 إبان الحرب الاميركية ضد المكسيك حيث كانت واشنطن تسعى لضم ولاية تكساس الى سائر الولايات الاميركية، فكانت دعوة تورو للعصيان في الامتناع عن دفع الضريبة المخصصة لتمويل الحرب.

جاءت نظرية تورو تحت عنوان: "مقاومة الحكومة المدنية"، وبعد وفاته أعيد نشر الكتاب تحت عنوان: "العصيان المدني"، وهي تعرف العصيان على أنه قيام افراد من الشعب بالتمرّد على قوانين جائرة وظالمة بتجاهل دفع الضرائب والرسوم الحكومية لممارسة الضغط عليها بغية تحقيق مطالب معينة، يقول تورو في كتابه: "لو رفض ألف شخص دفع ضرائبهم، فلن يكون هذا عملاً دموياً خلافا للدفع الذي سيمكّن الحكومة من مواصلة الحروب وإراقة الدم البريء.

ها قد أصبحت الثورة السلمية ممكنة. وإن سألني جابي الضرائب ماذا أفعل؟ فسأقول له: استقل. وعندما يرفض المواطن الطاعة ويستقيل الموظف فإن الثورة تكون قد نجحت".

المنظر الاميركي للعصيان المدني يبين فلسفة هذا العصيان بأن يستهدف الحكومة ومؤسسات الدولة من خلال ممارسة الضغط عليها، وإلحاق الضرر بها مالياً ضمن أجواء سلمية بالكامل، كما فعل الشيء نفسه؛ غاندي في الهند بتجاهل السطوة البريطانية على مصادر انتاج الملح، وبدلاً من الاعتماد على الملح المنتج بريطانياً، شجّع ابناء شعبه على استخراج و انتاج الملح، وفي وقت لاحق من القرن المنصرم، انطلق مارتن لوثر كنغ في اميركا مستلهماً من هذه النظرية لانقاذ ابناء جلدته من التمييز العنصري البغيض بتشجيع الاميركيون السود بعدم الانصياع للقوانين العنصرية في اميركا، لاسيما في ولاية منتغمري التي وقعت فيها حادثة الحافلة التي رفضت فيها المرأة السوداء التخلّي عن مقعدها لمواطن اميركي ابيض.

وعليه فان الباحثين في هذا الشأن يؤكدون على أن العصيان المدني يتجه بالدرجة الاولى نحو الطغاة ومن يعتمدون القوانين الظالمة والجائرة، عندها تكون القضية متبناة من الغالبية العظمى من المتضررين من هذا الظلم والحيف فيأتي العصيان او التمرد شاملاً ذو وقع شديد على السلطة.

احتمال النتائج العكسية

في العراق هنالك ظلم فاحش يلحق بشريحة واسعة من المجتمع طيلة السنوات الماضية باشكال متعددة لعل أبرزها؛ التوزيع غير العادل للثروة ولفرص العمل، وترك الناس يتكفلون بإنتاج الكهرباء وسحب الماء وإنارة الطرقات، وتحمل التكاليف الباهظة للتعليم، الى جانب الفساد الاخطبوطي الذي يشد بخناقه على مراجعي الدوائر الحكومية، وحتى المستشفيات والمحاكم، إنما القضية في كيفية تقريع مؤسسات الدولة بالشكل الذي لا يلحق الضرر بالناس، وأن لاتكون القضية أشبه بالعملية الانتحارية، كما يحصل اليوم مع المدارس والجامعات، حيث يضرب المعلمون والمدرسون عن تدريس الطلبة للاسبوع الثاني على التوالي، مما يؤدي الى تراكم المواد الدراسية في قادم الايام، ومع اقتراب امتحانات نصف السنة، وقد ورد بعض الهمسات من احتمال إلغاء السنة الدراسية برمتها اذا استمر الاضراب للاسبوع الثالث.

وليست المشكلة في الاضرار التي تلحق بالطلبة والموظفين وعامة الشعب بسبب النتائج العكسية للعصيان المدني فقط، بل وفي آلية تحقيق المطالب الجماهيرية التي من اجلها سقط اكثر من مائتي وخمسين شهيداً ومئات الجرحى خلال شهر تشرين الاول المنصرم، فالمضربون ودعاة العصيان يرفعون شعارات كبيرة ومطالب استراتيجية –إن صح التعبير- تخصّ البلد بشكل عام، فيما يعاني الطلاب والكادر التدريسي –مثلاً- من معاناة جمّة في المدراس، باتت تشكل أزمات تكاد تكون عصية على الحلّ، مثل الابنية المدرسية، والمناهج، ومستوى التعليم، وسائر الخدمات المرتبطة بالمدرسة، ونفس الامر ينسحب على الدوائر الحكومية المحتاجة بإلحاح الى منظومة عمل جديدة تنهي معاناة المواطن من متابعة معاملة رسمية، بما يعني أن سوح الاعتصامات ستكون مشحونة بمزيد من المشاركين، ومن مختلف الفئات العمرية والمهنية على أمل تحقيق مطالب كبرى مثل استقالة حكومة عادل عبد المهدي، وحل البرلمان الحالي وإجراء انتخابات نزيهة تحت إشراف دولي وبقانون انتخابات لا تتدخل فيه أيدي حزبية عراقية!.

فيما يتحدث البعض في سوح الاعتصام الى ضرورة تغيير نمط الحكم من برلماني الى رئاسي للتخلص من نظام الاحزاب والمحاصصة، فهل تتحقق هذه المطالب الكبرى مع مطالب أخرى صغرى تخص كل شريحة معترضة ومعتصمة؟ وهل يؤدي غلق الموانئ والمنشآت النفطية –مثلاً- ومنع العاملين فيهما للتوجه الى محل عملهم، في تنظيف هذه المواقع من الفساد والمحاصصة؟

إن تطبيق نظرية العصيان المدني في العراق قد يعني زجّ الناس في سوح الاعتصامات وتكثيف الضغوط على الحكومة، وقد ينتج أزمات مثل ارتفاع الاسعار وانخفاض انتاج الطاقة، وربما انعدام الأمن، والأخطر من ذلك كله؛ انزلاق العراق نحو الفوضى بما يستدعي التدخل الخارجي مثل المنظمة الدولية، وربما العواصم المعنية مثل؛ لندن وواشنطن لإدارة الوضع الداخلي كما حصل مع الايام الاولى لسقوط صدام.

ذات صلة

دولة التحرير المستقلةالطريق الآخرابو التوك توك خَطَرالسياسة والاقتصاد والتظاهرات في العراقالعراق: أزمة تلو أزمة