الداخل العراقي المغيّب

محمد علي جواد تقي

2019-10-09 03:06

ما أن تندلع أزمة في العراق تعقبها مظاهر الاحتجاج والاعتراض، سواءً على سوء الخدمات، او على سوء الادارة في توفير فرص العمل وتبديد الثروة والفساد المستشري، حتى يتم ربط حركة الاحتجاج الجماهيرية بالدوافع السياسية، ومن ثمّ تُرحل فوراً الى خارج الحدود، حيث المصالح الاقليمية، او الدولية، وتضيع المطالب الجماهيرية وعموم الوضع الداخلي في خضم التجاذبات السياسية، علماً أن هذه المصالح المتقاطعة تحكمها معادلة التوازن في القوى، وشعارها؛ "لا صديق دائم ولا عدو دائم، إنما مصالح دائمة"، فاذا كان الخلاف في ساحة الصراع، فان الوفاق سيكون قطعاً على تقاسم الكعكة والغنائم.

صحيح؛ إن الواقع السياسي الجديد من بعد نظام صدام، أسهمت في إيجاده أطراف اقليمية ودولية، وبالدرجة الاولى؛ ايران واميركا، بيد أن العراق ليس البلد الاول في تاريخ العالم يتعرض لنكبات وانهيار النظام السياسي، ثم يُعاد صياغته من جديد، فهذه دول أوربا الشرقية، والدول الحديثة النشوء والمستقلة مما كان يسمى "الاتحاد السوفيتي"، وحتى دولة جنوب افريقيا، التي تحولت من نظام عنصري فرض نفسه على العالم، الى نظام ديمقراطي يشارك في صنع القرار، الاسود الى جانب الابيض، ثم انهمكت هذه الدول في حركة التنمية والتطوير والبناء لخلق واقع سياسي واجتماعي جديد لشعوبها، طبعاً؛ بالتعاون مع الدول التي تعدها صديقة ومؤثرة ضمن مبادئ العلاقات الدبلوماسية المعمول بها في العالم.

تسييس الحراك المطلبي، داء حزبي وبيل

عندما تكون ولادة الاحزاب السياسية في غير موطنها، وبعيدة عن واقعها الاجتماعي، ولا تحمل سوى كلمات من التاريخ والعقيدة ضمن سلسلة من الشعارات تمارس من خلالها عملها المعارض للأنظمة الديكتاتورية، فمن الطبيعي ان تفسر أي نشاط معارض من جماعات معينة، على أنه نشاط سياسي، فمن الصعب على احزاب حاكمة من هذا النمط أن تتفهم مطالب شريحة الخريجين واصحاب الشهادات العليا بتوفير فرص عمل لهم، او الاستفادة من كفاءاتهم العلمية في عملية الاستثمار والتنمية.

او أن تتفهم مطالب الشريحة الفقيرة التي تبحث عن مأوى وعن لقمة العيش بكرامة، ولذا نجد أن حراك من هذا النوع يوسم بأنه يلبي "أجندات سياسية"، حتى الحراك الجماهيري المطالب بتوفير الكهرباء والماء، او الاعتراض على المخصصات المالية المهولة للوزراء والمدراء ونواب البرلمان، بل حتى الاعتراض على هدم الدور في مناطق العشوائيات "التجاوز"، والاعتراض جاء من شريحة فقيرة ومعدمة في مدن مختلفة بالعراق، فكان الردّ عليها بانها تخدم جهات حزبية ومصالح سياسية وغير ذلك، وإن صحّ الادعاء، فان المشكلة في ضياع حقوق هؤلاء، بينما السياسي او الحزبي بعيد عن المواجهة يتفرج وينتظر ما تؤول اليه الاوضاع!

وذات الرؤية الى الاحتجاجات المطلبية تنسحب الى الجهات الخارجية، فان أي حراك جماهيري ينسب فوراً الصراع الدائر بين ايران واميركا. فاذا كانت المخرجات تخدم ايران، فانها بالضرورة تعادي اميركا، والعكس بالعكس، ولعل ملف الحشد الشعبي ما بعد هزيمة تنظيم داعش، يكون صورة من صور التجاذب العنيف المؤدي فقط الى إزهاق أرواح العراقيين من افراد الحشد الشعبي والاضرار بالممتلكات، فضلاً عن خرق السيادة العراقية.

العراق كعكة في أدمغة احزاب السلطة

في سالف الزمان كنّا نتندّر من سماع المصطلح السياسي؛ "تقاسم الكعكة" في بلدان حققت استقرارها السياسي بنمط توافقي في الحكم ضمن نظام المحاصصة الحزبية، او التوازن الطائفي وغير ذلك، كما هو الحال في لبنان منذ نشأة الدولة عام 1943، حيث تعيش الاستقرار السياسي وفق معادلة المحاصصة الطائفية، بان يكون رئيس الجمهورية مسيحي ماروني، ورئيس الوزراء مسلم سنّي، ورئيس البرلمان مسلم شيعي، حتى نُقل عن زعيم حركة أمل نبيه بري ذات يوم، وقبل ان يتسلّم منصب رئاسة البرلمان، بأنه يريد الحصول على "حصتنا من الكعكة اللبانية"‍!.

هذا المصطلح سيء الصيت حوّله البعض الى واقع حال سيئ لمجمل الاوضاع في العراق، حتى بات على لسان الصغير والكبير، وأول انعكاس لهذا الاعتقاد يكون على مطالب الناس انفسهم، فاذا ارادوا المطالبة بحقوقهم عليهم التوجه الى جهة سياسية تدعم مطالبهم وتمارس الضغط على الجهات المعنية، وإلا لن يجدوا ذلك "المسؤول" الممثل لضمير الشعب وطموحاته وآماله كما يدّعي جميع من يخوض الانتخابات المحلية والنيابية.

ولذا نجد غياب النمط السلمي للتظاهرات المطلبية، سواءً على شكل اعتصامات، او نزول الى الشارع كما معمول به البلاد الديمقراطية، إلا القليل في العراق، عندما اعتصم خريجو الجامعات وحملة الشهادات العليا امام وزارة التعليم العالي لتوفير فرصة عمل لهم، او كما فعل الشيء نفسه؛ اساتذة وخريجو الطب البيطري على أمام وزارة الزراعة للمطالبة بتعديل قانون يتيح لهم الحصول على فرص عمل من الدولة.

ان اعطاء الأولوية للشأن الداخلي وفصله عن المؤثرات الخارجية، يعد مفتاح الحل لعديد المشاكل والازمات التي يعاني منها العراق، لاسيما اذا عرفنا أن بلداً مثل العراق يفترض ان يعيش في أفضل حال، بل في المستويات الراقية قياساً، ليس بالدول النامية مثل الهند والصين، وإنما الدول المتقدمة، لما يمتلكه من ثروات هائلة، وعقول، وشريحة لا بأس بها من الشباب اليافع والمتحفز ضمن التعداد السكاني، بما يعني توفر أدوات الحل.

ولكن عندما تكون هذه الادوات والفرص خارج حدود العراق، وتكون على مذبح الصراع الاقليمي والدولي على النفوذ في المنطقة، فمن المؤكد أن يبقى الشعب العراقي يتجرّع الأمرين؛ ضنك العيش، والازمات المتراكمة، وضياع الأفق السعيد لما ستؤول اليه الاوضاع مستقبلاً، ومن الطبيعي ايضاً؛ أن نشهد الوزير، او المدير، او حتى النائب عن الشعب العراقي، و"مسؤولين" آخرين بالدولة يضعون نُصب أعينهم مهمة التوفيق بين المصالح الاقليمية والمصالح الدولية المتقاطعة في العراق بدل التفكير بمصالح الشعب العراقي.

ذات صلة

الشباب العراقي قادرٌ على التغيير جذرياًموجة أكتوبر العاصفة: جيل الشباب في مواجهة ساسة الفسادثورةٌ... وماذا بعد؟رئيس وزراء ضعيف لن يزيد الدولة إلا ضعفا وترهلامآلات المشهد اللبناني