أنسنة التاريخ

محمد عبد الجبار الشبوط

2019-09-11 07:15

الاصل الاول ان اللغة متاحة لجميع من يعرفون التحدث بها. واللغة مؤلفة من كلمات ذات معاني، اما قصدية (كما يقول عالم سبيط النيلي) او اعتباطية (كما يقول سوسير).

الاصل الثاني، (كما يقول كلود ليفي شتراوس) ان الكلمات هي ادوات يتمتع الناس بحرية استخدامها لاي معنى بشرط ان يوضحوا مقاصدهم.

من هذا المنطلق ننظر الى استخدام الشيخ محمد مهدي شمس الدين (١٩٣٦-٢٠٠١) لكلمة "انسنة" بالربط مع التاريخ، حيث صك مصطلح "انسنة التاريخ" في كتابه "ثورة الحسين" الصادر في اوائل السبعينات من القرن الماضي. فقد قال في ص ٢٢٣ (ط٧) من هذا الكتاب:"ضروري في مرحلتنا الثورية الراهنة انسنة التاريخ" بمعنى "جعله ذا صلة بحياة الانسان ومطامحه" و "اعداده ليندمج مع الكائن الانساني في تركيب عضوي متفاعل متكامل وليس مجرد انعكاس خاو لحياة انسانية سابقة".

ولم يكن البعد الانساني بعيدا عن تفكير الشيخ شمس الدين، ففي عام ١٩٦٠ كتب افتتاحية من حلقتين لمجلة "الاضواء" النجفية التي كانت تصدر انذاك تحت عنوان "رسالتنا انسانية عالمية" قال فيها ان "انسانية" اي عقيدة تتحقق "حين يجد الانسان في رحابها المجالات التي تهيء لكافة طاقاته جميع فرص النمو والازدهار وتوازن بين كافة جوانبه"، مشترطا ان تعالج العقيدة "الواقع الانساني على اساس الاعتراف بالانسان كما هو، وكما خلقه الله من غير تحوير ، الاعتراف بكل طاقاته وكل حاجاته وكل كيانه المتطور وغير المتطور". وهذا، كما هو واضح، اساس النظرة الواقعية للانسان.و بناء على هذا، اعتبر شمس الدين ان الاسلام دين انساني، لانه "يتجاوب مع الواقع الانساني بكل حاجاته ومطامحه". ومن اجل توضيح واثبات هذه الدعوى تتبع شمس الدين موقف الاسلام ازاء اربع مسائل هي: الواقع الخارجي المحيط بالانسان، العقل، الحرية، التقدم ووجد في هذه المسائل ما يلي:

١. ان العالم الخارجي "مجال كفاح الانسان ونموه وتمدد قواه"، وان "عالم الطبيعة قد سخر للانسان".

٢. ان الانسان "خليفة الله في الارض".

٣. ان الغرائز الانسانية هي "القوة الحيوية الدافعة التي تتلاشى بدونها الحركة، اي انها الشرط الداخلي للسلوك الانساني، وهي التي تسبغ على الحياة حركتها وتدفقها".

٤. استخدام العقل شرط لكي يكتشف الانسان عالم الطبيعة وينتفع بها ولكي ينمي ذاته.

٥. الانسان كائن حر ومسؤول يتمتع بالعقل والقدرة على الاختيار والإرادة.

٦. الانسان قادر على ان يطور حياته ويغنيها دوما بالجديد.

في وقت متزامن، او بعد هذا بقليل بدأ محمد اركون (في الستينات او حوالي ١٩٦٦ كما قال مترجم اعماله هاشم صالح) يكتب اطروحته للدكتوراه عن "نزعة الانسنة في الفكر العربي". اركون كتب اطروحته باللغة الفرنسية، ونشرت عام ١٩٧٠ باللغة الفرنسية ايضا، ولم يستخدم كلمة الانسنة العربية بطبيعة الحال الى ان ترجمت الرسالة ونشرت عام ١٩٩٧.

ويعتقد اركون ان النزعة الانسانية قديمة في التاريخ الاسلامي، او السياق الاسلامي، وانها وصلت الى قمة ازدهارها فيما بسميه العصر الكلاسيكي الاسلامي (القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي) او ما يسميه جيل مسكويه والتوحيدي وصولا الى ابن رشد (الممتد كما يقول من عام ٣٥٠ الى ٤٠٠ هجرية)، ثم انقرضت بعد ذلك.

ثم كتب الصديق عبد الجبار الرفاعي كثيرا عن انسنة الدين او النزعة الانسانية في الدين.

وطرحت انا مصطلح "انسنة الحياة"، وقصدت به بناء الحياة بشكل يصون انسانية الانسان ويحفظ حقوقه وكرامته ومنزلته ويحقق له السعادة ويعترف بالانسان بوصفه "قيمة عليا لا يجوز المس بها او الاعتداء عليها"، بعبارات محمد اركون.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

ذات صلة

الأيدولوجيا في المنظور الغربيقيم الأخلاق وردع الاستبدادحركة الحسين: قراءة تحليلية في الاتجاهات الأدبيةحصيلة تطبيق منهج اللاعنف عالمياالمجتمع والأمن الاجتماعي