الطائرات المقدسة: آلهة روسيا في مواجهة اسرائيل

مسلم عباس

2018-09-26 07:50

لم يتاخر الرد كثير، اتهمت روسيا الجيش الإسرائيلي بالتسبب في تحطم طائرة "ايل20" فوق ساحل البحر المتوسط، وقتل على متنها 15 عسكريا روسيا، موسكو لم تهدأ ابدا، وهدد وزير دفاعها سيرغي شويغو بان "الحادثة لن تترك من دون رد"، استشعرت تل ابيب الخطر، وارسلت لجنة تحمل معها أوراق التحقيق بالحادث، لكنها لم تقنع الروس، واتهموا الجيش الإسرائيلي بتزييف الحقائق.

الرئيس فلادمير بوتين امر بتسليم منظومات الدفاع الجوي "اس300"، فورا الى سوريا في ظرف أسبوعين، مع منظومة مساندة للتشويش الراداري، وربط الأنظمة السورية مع النظام الدفاعي الروسي للتعرف على الطائرات الروسية بغية تجنب تكرار حادثة "ايل20".

مرة أخرى يرد بوتين الطامح لاستعادة امجاد الإمبراطورية الروسية بالطريقة التي هو يراها مناسبة وليس كما يريد الاخرون، فسقوط الطائرة في المتوسط إهانة لكل دولة روسيا والرد يجب ان يأتي بذات الحجم، لكن مع نظرة ذات بعد أوسع تأخذ بعين الاعتبار توجيه ضربة طويلة المدى تسهم في تغيير قواعد اللعبة، لتكون الحادثة نقطة ارتكاز للتاريخ في سوريا، ويجب ان يكون ما بعد اسقاط الطائرة مختلف تماما عن ما قبلها.

هذه المعادلة القائمة على تثبيث نقطة "تاريخية" لا تقوم بحلها الا صواريخ "اس300" ذات التقنية المتقدمة، وبمساندة أجهزة التشويش والربط مع سلاح الجو الروسي يصبح الفضاء السوري مغلقا امام سلاح الجوي الإسرائيلي، كما ان الولايات المتحدة الامريكية والدول الغربية ستفكر كثيرا قبل الاقدام على أي عملية عسكرية ضد سوريا، على الأقل هذا ما يمكن الحديث عنه نظريا بحكم التقنيات المتقدمة المضافة الى جعبة الجيش السوري.

لكن إسرائيل لا تجد في هذه التطورات ما يخيفها، فالمجلس الوزراي المصغر اكد استمرار الغارات الجوية على سوريا اذا اقتضت الضرورة، ورغم اعتبار نشر المنظومات المتقدمة على الأرض السورية قرارا روسيا خاطئا، الا ان تل ابيب قد تجد طريقة أخرى للتعامل مع المستقبل، فطائرات "اف35" تتكفل بالمهام الجديدة، ما يعني تسريح "اف16" الى التقاعد بعد سنوات من الخدمة في الأجواء السورية واللبنانية، شنت فيها اكثر من 200 غارة على المواقع السورية فقط.

وحتى لو لجأ الجيش الإسرائيلي الى طائرات الشبح التي تستطيع التخفي عن أجهزة الراداد فهناك تكلفة مالية باهضة لتشغيلها أولا، بالإضافة الى الكلفة العسكرية التي تزداد خطورة، فالمشغلون الروس سوف يتواجدون مع حلفائهم السوريين ولا يمكن ان تسمح موسكو باستهدافهم، كما انها لن تقبل بتدمير تاج الدفاع الجوي لها امام انظارها، وموسكو اليوم تسوق "اس300" وسلاحها الجوي على انه شيء من الالهة او قريب منها.

المشكلة التي ستنشأ عن التطورات الجديدة هي تمركز "الالهة" الروسية، قرب "الالهة" الإسرائيلية، فسلاح الجو الإسرائيلي هو "الهة مقدسة" لا يمكن ان يمسها احد، اذ نستحضر هذه الايام بكاء الإسرائيليين على طائرتهم التي اسقطت في شباط فبراير من العام الجاري، وشعروا بالصدمة الشديدة وكأن زلزالا قد اصابهم او كارثة كبرى في انتظارهم، وفي حينها كتب الصحفي الاسرائيلي روجيل ألبر، أن مشاعر الإسرائيليين، عند سماع خبر إسقاط الطائرة "اف16" في سوريا، عكست مدى الصدمة والفزع الشديدين، مبينًا أن الشعب اليهودي شعر بالإهانة لأحد رموز فخره الوطني. وشبه الكاتب الطيران الحربي الإسرائيلي بالنسور المنتشرة في كل مكان، في نظر الشعب اليهودي، في حين أن أعداء اليهود الإسرائيليين والإيرانيين والعرب، ليسوا سوى الأرانب والفئران الذين يفرون خوفًا إلى جحورهم.

وتهكم الكاتب على حالة القداسة الإسرائيلية لسلاح الجو بقوله: "بعبارة أخرى، فإن السوريين يفترض بهم أيضًا أن يعبدوا المقاتلة الإسرائيلية وأن يمتنعوا عن الإضرار بها أويثيرون غضبها، وليس من المفترض أن يدافع السوريون عن أنفسهم، بل فقط عليهم الصلاة أن المقاتلة الإسرائيلية سترحمهم".

في روسيا أيضا ينظر لسلاح الجو على انه الالهة المقدسة، ليس من قبل الشعب فحسب، بل من الرئيس فلادمير بوتين نفسه وقادة جيشه، فروسيا بدون سلاح الجو ومنظومات "اس300" و "اس400" لا تعني شيئا في العالم، فهي دولة عظيمة ومحترمة نتيجة الحماية التي توفرها هذه الوحوش العسكرية.

في المختصر، فتحت روسيا وإسرائيل صفحة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط، سيكتبون فيها كلمات من التوتر الشديد، وحالة من الصراع المتصاعد، وصواريخ بوتين التي أرسلها الى سوريا لا تنتج سلاما كما يتوقع كثيرون، انما ستزيد من حالة الاستقطاب وتدفع الجميع الى استخدام أوراق ما قبل اندلاع الحرب الكبيرة.

ذات صلة

استراحة القيصر: تعقيدات سوريا على طاولة بوتينإسرائيل وإيران: موجة جديدة من التهديدات بالتدميربغداد - واشنطن: أي تاريخ وأي مستقبل؟حرب النيل: لماذا تخشى مصر سد النهضة الاثيوبي؟إعادة إعمار سوريا ونموها الإقتصادي بعد الحرب