قانون الدولة القومية اليهودية.. كوميديا سوداء

د. عبير عبد الرحمن ثابت

2018-07-22 12:00

بعد سبعين عام من نشأتها تقرر الدولة العبرية تعريف نفسها عبر تشريع جديد وبمشهد كوميدي تحت عنوان قانون القومية؛ وهو قانون يعرف الدولة العبرية على أنها وطن قومي لليهود يحق لهم دون غيرهم فيه تقرير المصير؛ كما يحدد القانون اللغة العبرية لغة رسمية وحيدة للدولة ويلزم الحكومة توسيع وتنمية التجمعات الاستيطانية اليهودية دون غيرها.

وبموجب هذا القرار فنحن اليوم أمام دولة ثيوقراطية يعتقد حكامها بسذاجة أن التلاعب بعبارات صياغة القانون قد يخفي جوهره العنصري العقائدي. خاصة حينما يشرع قانون من هذا النوع وما يزيد عن ربع سكان الدولة العبرية المتمتعين بمواطنتها ليسوا من اليهود؛ وأصبح ثمة علامة استفهام كبيرة على مستقبل مواطنة تلك النسبة من السكان الغير يهود وكذلك طبيعة المواطنة ومستقبلها في الدولة.

لقد حاولت الحركة الصهيونية على مدار سبع عقود أن تخفي هذا الوجه العقائدي العنصري تحت ستار الوطن القومي؛ ولكن الحقيقة الدامغة أنه لا يوجد شيء اسمه القومية اليهودية ولكن هناك ديانة يهودية؛ أما القومية اليهودية فهي اختراع مسخ نفذته الحركة الصهيونية، فلم يذكر التاريخ أن هناك شعب أطلق عليه الشعب اليهودي، أما الكتب السماوية فقد اعتبرت بنى إسرائيل على أنهم قبيلة تعيش في كنف شعوب وقوميات مركزية اختصها الله في فترة محددة من التاريخ الإنساني برسالته؛ ولم تكن لهم لغة خاصة في ذلك الزمان، فقد تحدثوا لغة الشعوب التي كانوا يعيشون في كنفها؛ ولم تكن اللغة العبرية لغة مستخدمة بينهم بل كانت رموزا يختص في ترجمتها للعامة من اليهود رجال الدين اليهودي، وكان مكان استخدامها المعابد ليس إلا، ولم يكن الوجود اليهودي على مر التاريخ في المنطقة إلا وجودا أقليا عقائديا هامشيا في كنف حضارات المنطقة. ولم تكن اليهودية قومية ذات لغة لشعب مستقر ذو حضارة تميزه عن باقي سكان المنطقة، وتلك حقيقة يقر بها علماء الآثار والمؤرخين اليهود أنفسهم؛ فعلى مر سبع عقود من التنقيب لم تفلح الدولة العبرية في إيجاد أي معلم أثرى يهودي يدحض هذه الحقيقة.

إن قيام الحركة الصهيونية بزعامة اليهود الأشكناز بصناعة قومية يهودية وربطها تاريخيا بقبيلة بنى إسرائيل وبالديانة اليهودية هو طمس لحقائق التاريخ الماثلة للعيان، فاليهود الأشكناز الذين يمثلون اليوم 90% من يهود العالم هم في الحقيقة لا يمتوا بصلة لبنى إسرائيل، وهم جينيا وطبقا لدراسة علمية موثقة أبناء قبائل شمال القوقاز.

والمتمعن في الطبيعة الثقافية للدولة العبرية يدرك جيدا حجم التلفيق فيما يعرف بالتراث الثقافي القومي لها بدءً من الفلافل التي يدعون أنها الأكلة القومية لهم مرورا بالشيكل الذي هو عملة كنعانية أصيلة وصولا إلى الهيكل المزعوم. وكل شيء في إسرائيل مطلي بالخداع، وإسرائيل تدرك جيدا حجم هزيمتها الثقافية وهزيمة روايتها التاريخية في هذا الصراع، وما هذا القانون إلا تعبيرا صادقا عن تلك الحقيقة، فلا توجد دولة طبيعية تعرف نفسها قوميا بعد سبعين عام من إنشائها.

إن الوطن القومي لأي شعب هو ذاك الوطن الذي يجبل ترابه بعرق ودماء أبناءه عبر التاريخ وهو نفسه الوطن الذي يتجذر شعبه فيه ويقاوم كل غاصبيه لقرون، ويبقى الشعب على أرضه ويرحل الغاصبون، وتلك هي معضلة إسرائيل اليوم مع شعب فلسطين. الشعب الذى ضرب جذوره في الأرض بفعل التاريخ؛ ولا زال صامدا في وطنه القومي يقاوم محتليه ويرفض الاستسلام لهم بعد سبع عقود. أما أولئك اليهود المهاجرين الذين بذرت بهم الصهيونية أرض فلسطين فعبثا في أن تضرب لهم جذورا في هذه الأرض بعد اقتلاع وتشريد ما أمكن من سكانها الأصليين بالقوة.

والفارق الرئيسي بيننا وبينهم أن القومية التي تحتاج لقانون لتعريفها وتثبيتها لن يصمد أصحابها سبعة أيام إن وضعوا في نفس ظروف الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين؛ فثمة قومية طبيعية لا تحتاج قوانين لتعريفها تكتب بالدماء والتضحيات وأخرى مصنعة يلزمها قانون للتعريف يصاغ بكوميديا سوداء.

العالم الحر لا ينطلي عليه هذا العبث، ولكن عليه أن يسمى الأشياء بمسمياتها، فإننا أمام دولة عقائدية دينية يحكمها نظام ثيوقراطي تظهر معالمه واضحة يوم بعد يوم، دولة تستمد دعائم وجودها من نصوص تدعى أنها سماوية، وتحتل أرض شعب آخر بالقوة وتقمعه بموجب نفس النصوص المدعاة، ورغم ذلك تدعى أنها واحة الديمقراطية وحقوق الانسان.

تلك هي الكوميديا السوداء في السياسة الدولية والتي تحاول طمس حقائق تاريخية بقوانين القوة، وتهوى بالنظام السياسي الدولي إلى أدنى المراتب الأخلاقية.

* أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
Political2009@outlook.com

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

ذات صلة

نهايةُ عهدِ نيكي هايلي فشلٌ وسقوطٌأنفاق حزب اللهانفاق حزب الله: دروع من تراب لمعادلات الحرب الطويلةالقوة الناعمة الإسرائيلية في آسيا الوسطىهل فعلاً يعاني ترامب من عقدة أوباما؟!