الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي

مجلة النبأ

2018-09-03 08:00

حسن الأمين/عرض: مجتبى العلوي

 

يعيد السيد حسن الأمين قراءة التاريخ العربي - الإسلامي وكتابته وهذه مهمة نهض بأدائها، منذ أن رأى أن هذا التاريخ كتب في معظم صفحاته، من وجهة نظر السلطان، وفي بعضها من وجهة نظر موضوعية، تتحرى الحقيقة ما أمكن، فشاعت الإشاعة الأولى وسادت، وتم نقلها من جيل إلى آخر بوصفها مسلمات لا تحتاج إلى إعادة نظر ونقاش، وإن حاول بعضهم ذلك يتهم كأنه يعيد النظر فيما غدا من المقدسات، في حين بقيت الصفحات الأخرى مطوية لم ينظر فيها.

ولهذا نجد الكثير من النقاد من مسلمين ومستشرقين يأخذون بهذه الرواية ويطرحون الأخرى، ويوثقون هذا الراوي ويطعنون الآخر، ليس اعتماداً على الأسس العلمية في القبول والرد، بل تحت تأثير الاتجاهات المسبقة من التاريخ وأحداثه، فكم قبلوا روايات الوضاعين والمتروكين، وأعرضوا عما هو أحسن منها وأولى بالقبول.

ويذهبون إلى أكثر من ذلك، فتحت تأثير عواطف الحب يجعلون كل ما ليس بحسن حسناً، ويجتهدون في تأويل الحوادث بوجه ليس فيه غضاضة، حتى ما أدى منها إلى سقوط فاعله وخيبته.

وعاطفة الكراهية تدعو إلى ضد ذلك فتجعل الحسن قبيحاً، وتستنبط من الخير شراً.. ولم يخلو من هذا الشر العظيم الذي يطمس معالم التاريخ ويضيع الفائدة من تجارب الأمم، إلا نفر قليل جداً.

يحاول السيد حسن الأمين، وهو يعي هذه الحقيقة، أن يؤدي مهمته الشاقة، فيعيد قراءة الصفحات جميعها ما غدا مسلمات وما طوي، وينظر فيما يتحصل لديه بفكر المؤرخ المحقق، ورصانة العالم المعني ببيان الصواب، وجرأة الباحث عن الحقيقة، يكتشفها ويكشفها للقارئ بلغة سهلة الأداء عميقة المؤدى في آن.

السيد حسن الأمين، في هذا الكتاب - مواصلاً نهجه الذي ذكرناه - يكتب في ثلاث قضايا تاريخية كبرى هي: الاسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي.

قيل بشأن كل منها الكثير، وسادت لدى الرأي العام رؤية معينة إليها تمثل وجهة نظر فئة من المؤرخين.

وقد أعاد المؤلف البحث في هذه القضايا الإشكالية وتبينت له حقائقها، فكتب ما تبين له، غير زاعم أنه وحده المصيب، فالمجال مفتوح للنقاش العلمي الموضوعي، وهذا هو السبيل الوحيد لإعادة قراءة التاريخ العربي الإسلامي وكتابته...

نصير الدين الطوسي

هو محمد بن محمد بن الحسن الطوسي، المشتهر بنصير الدين الطوسي وبالمحقق الطوسي؛ ولد في طوس واختلف في سنة ولادته، ولكن أكثر المؤلفين على أنه ولد سنة 597هـ وتوفي في بغداد سنة 672 ودفن عند الكاظمين.

وكان والده محمد بن الحسن من الفقهاء والمحدثين، فتربى في حجره ونشأ على يده.

يقول كارل بروكلمن المستشرق الألماني عن الطوسي: (هو أشهر علماء القرن السابع وأشهر مؤلفيه إطلاقاً)... أما فاضل جلبي في مقدمة (كشف الظنون) حين يصف المؤلفين المعتبرين فيجعل نصير الدين رأس سلسلتهم، ويقول عنه ابن الصبري في كتاب (مختصر الدول): (حكيم عظيم الشأن في جميع فنون الحكمة، كان يقوّي آراء المتقدمين ويحل شكوك المتأخرين والمؤاخذات التي وردت في مصنفاتهم).

وقال العلامة الحلي: (كان هذا الشيخ أفضل أهل زمانه في العلوم العقلية والنقلية)، وقال عنه في موضع آخر: (هو استاذ البشر والعقل الحادي عشر)...وعده الصفدي في شرح لامية العرب من الرجال الذين لم يصل أحد إلى رتبتهم في فن المجسطي.

وقال عنه في الوافي بالوفيات: (كان رأساً في علم الأوائل ولا سيما في الأرصاد والمجسطي)، كتب 186 مؤلفاً ورسالة في اللغتين العربية والفارسية.

الطوسي وعمله في إنقاذ الإسلام

كان نصير الدين الطوسي ضحية من ضحايا الغزو المغولي الاول، حينما اجتاحت جحافل جنكيز خان البلاد الإسلامية ودمرت ما مرت به منها.. وكان من تلك الضحايا مدينة نيسابور التي كانت تعج بالعلماء وتزخر بالمدارس..

ولم يكتف المغول بتدمير المدينة بل اعملوا السيف في الناس، فقتل من قتل واستطاع الفرار من استطاع، وكان بين الناجين نصير الدين الطوسي، فهام على وجهه يطلب الملجأ الأمين فوجده في قلاع الاسماعيلية الحصينة، هذه القلاع التي صمدت وحدها لجنكيز خان، فظل حقد المغول مضطرماً على الاسماعيليين إلى أن استطاعوا الثأر منهم في عهد هولاكو حفيد جنكيز...

يقول الدكتور علي أكبر فياض في كتاب محاضراته عن الأدب الفارسي والمدنية الإسلامية: (وكانت النهضة الاسماعيلية في قمة نشاطها في ذلك العصر وكانت لهم مشاركة تامة في دراسة الفلسفة والنهوض بها بالاستفادة منها في تقرير أصولهم واثبات دعواهم، وقد أسسوا لهم في قلعة ألموت مكتبة عظيمة بادت على أيدي المغول).

وكان يعيش في رعاية الاسماعيليين رجل يعد من أكبر المشتغلين بالعلوم العقلية بعد ابن سينا ألا وهو نصير الدين الطوسي، قدر لهذا الرجل العظيم أن يقوم بإنقاذ التراث الإسلامي من أيدي المغول..

إلى أن يقول: (لقد فوض إليه هولاكو أمر أوقاف البلاد فقام بضبطها وحرضها على إقامة المدارس والمعاهد العلمية، وجمع العلماء والحكماء وتعاون معهم في إقامة مرصد كبير في مراغة بآذربيجان ومكتبة بجانبه يقال أنها كانت تحوي 400 ألف كتاب)..

ولم يكن نصير الدين الطوسي وحده هو الذي احتمى بهذه القلاع، بل لجأ اليها كثير ممن استطاعوا الفرار والنجاة.

وعندما تقدم المغول في غزوهم الثاني، وأعاد هولاكو سيرة جده، كانت الحملة هذه المرة من القوة بحيث هابتها القلاع الاسماعيلية فلم تستطع لها صداً، ونزل الأمير الاسماعيلي ركن الدين خورشاه على حكم المغول، فكان حكمهم قتله وقتل أعوانه ومن لجأ إليه، واستثنوا من ذلك ثلاثة رجال كانت شهرتهم العلمية قد بلغت هولاكو فأمر بالإبقاء عليهم، ولم يكن هذا الإبقاء حباً بالعلم وتقديراً لرجاله، بل لأن هولاكو كان بحاجة لما اختص به هؤلاء الثلاثة من معارف، فاثنان منهم كانا طبيبين هما موفق الدولة ورئيس الدولة، والثالث كان مشهوراً باختصاصه في أكثر من علم واحد هو نصير الدين الطوسي، وكان مما اختص به علم الفلك، وكان هولاكو مقدراً لهذا العلم تقدير حاجة لامحض تقدير، مؤمناً بفائدته له..

لذلك نراه بعد ذلك يعنى بإنشاء مرصد (مراغة) ويوفر له كل ما يستدعي نموه وتقدمه..

جمع نصير الدين الطوسي إلى العلم الواسع، العقل الكبير، فتريك سيرته رجلاً من أفذاذ الرجال لا يمر مثله كل يوم. وتشاء الأقدار أن تعده لمهمة لا ينهض لها إلا من اجتمعت له مثل صفاته: علم وعقل وتدبير وبعد نظر، فكان رجل الساعة في العالم الإسلامي، هذا العالم الذي كان مثخناً بالجراح.

كانت مهمة الطوسي من أشق المهمات، وكانت أزمته النفسية من أوجع ما يصاب به الرجال، فإنه وهو العالم الكبير ذو الشهرة المدوية بين المسلمين، يرى نفسه في قبضة عدو المسلمين، ويرى هذا العدو مصراً أن يبقيه في جانبه ويسيره في ركابه، والى أين يمشي هذا الركاب؟ إنه يمشي لغزو الإسلام في دياره والقضاء عليه في معاقله، فهل من محنة تعادل هذه المحنة؟، إن أقل تفكير في التمرد على رغبة القائد المغولي سيكون جزاءه حد السيف.

كان الطوسي ذا فكر منظم يعرف كيف يخطط ويدبر. وهو في ذلك آية من الآيات، وقد أدرك أن النصر العسكري على المغول ليس ممكناً أبداً، فقد انحل نظام العالم الإسلامي انحلالاً تاماً لم يعد معه أمل في تجميع قوة تهاجم المغول وتخرجهم من دياره، وكانت البلاد المحتلة أضعف من أن تفكر في ثورة ناجحة... على أن الغرب الإسلامي كان لا يزال سليماً، وكانت مصر هي القوة الوحيدة التي تتجه إليها الأنظار، وقد استطاعت مصر ان تذيق المغول مرارة الهزيمة وأن تردهم عنها.

وفكر نصير الدين طويلاً فأيقن أنه إذا تم للمغول النصر الفكري، بعد النصر العسكري كان في ذلك القضاء على الاسلام، وها هو يرى بأم عينه الكتب تباد والعلماء يقتلون، من ذا يبقى بعد ذلك؟.

لقد استغل حاجة هولاكو اليه، وحرضه على أن يكون في معسكره فلكي عالم بالنجوم، فعزم على كسب ثقته واحترامه فكان له ما أراد، وصار له من ذلك سبيل لإنقاذ اكبر عدد من الكتب وتجميعها، كما استطاع أن ينجي من القتل الكثيرين ممن كانوا سيقتلون.

ولما استتب الأمر لهولاكو خطا نصير الدين خطوته الأولى، وكانت هذه المرة خطوة جبارة فقد أقنع هولاكو بأن يتعهد إليه بالإشراف على الأوقاف الإسلامية والتصرف بمواردها بما يراه، فوافق هولاكو.. وتطلع نصير الدين فرأى أن المسلمين كانوا قد وصلوا في الانحلال الفكري إلى حد أصبح العلم عندهم قشوراً لا لباب فيها، وأنهم حصروا العلم في الفقه والحديث وحدهما، وحرموا ما عداها من سائر صنوف المعرفة التي حث عليها الدين العظيم، وانصرفوا عن العلوم العملية انصرافاً تاماً.. فأعلن افتتاح مدارس لكل من الفقه، والحديث، والطب، والفلسفة، وأنه سيتولى الإنفاق على طلاب هذه المدارس، وسيجعل لكل واحد من دارسي الفلسفة ثلاثة دراهم يومياً، ولكل واحد من دارسي الطب درهمين، وللفقه درهماً، وللحديث نصف درهم، فأقبل الناس على معاهد الفلسفة والطب، بعدما كانت من قبل تدرس سراً.

أحرز نصير الدين النصر الأول في معارك الإسلام، فالعلم لم ينقطع بعد اليوم، ولن يحيد المسلمون عن طلبه، ثم انصرف يخطط للمعركة الكبرى الكاسحة، فإذا كان إنشاء المدارس المتفرقة لن يلفت هولاكو إليها، ولن يدرك أهميتها، فإن إنشاء الجامعة الكبرى وحشد العلماء فيها وحشر الكتب في خزانتها، سيكون حتماً منبهاً لهولاكو، فكيف العمل؟.

هنا تبدو براعة الطوسي، فهولاكو استبقاه لغاية معينة، فراح يقنع هولاكو بأنه من أجل استمراره في عمله والاستفادة من مواهبه لا بد من إنشاء مرصد كبير، فوافق هولاكو على إنشاء المرصد الكبير، وفوض لنصير الدين المباشرة بالعمل.

لقد كانت هذه الموافقة الحلم الأكبر الذي حققته الأيام لنصير الدين، وبعدها سيكون مستريحاً للمستقبل لا يشغله شيء إلا الإعداد الدقيق والتخطيط السليم الموصل إلى الغاية القصوى..

ضخم نصير الدين أمر المرصد لهولاكو وأقنعه أنه وحده أعجز من أن يرفع حجراً فوق حجر في ذاك البناء الشامخ، وانه لا بد له من مساعدين أكفاء يستند إليهم في مهمته الشاقة، وأنه لا مناص من أجل ذلك من أن يجمع عدداً من الناس المختارين، سواء في البلاد المحتلة أو في خارجها، فوافق هولاكو على ذلك...

وهنا هب نصير الدين إلى اختيار رسول حكيم هو فخر الدين لقمان بن عبد الله المراغي، وعهد إليه بالتطواف في البلاد الإسلامية، وتأمين العلماء النازحين ودعوتهم للعودة إلى بلادهم، ثم دعوة كل من يراه متفوقاً في علمه وعقله من غير النازحين.

مضى العمل منظماً دقيقاً وانصرف العلماء بإشراف الطوسي منفذين مخططاً مدروساً، فلم يمض كثير من الوقت حتى كانت المكتبات تغص بالكتب، وحتى كانت مكتبة مراغة بالذات تضم مجموعة قلّ أن اجتمع مثلها في مكتبة أخرى، وحتى كانت المدارس تقام في كل مكان، وحتى كانت الثقافة الإسلامية تعود حية سوية..

ثم يموت هولاكو، ولكن الإسلام الذي أراد له هولاكو الموت يظل صحيح البنية، متوهج الفكر، ثم يموت ابن هولاكو وخليفته (ابقاخان) والإسلام لا يزال بقيادة الطوسي صامداً، ويقاوم ويدعو ويهدي.

ويأتي بعد ابقاخان، ابن هولاكو الاخر (تكودار) فإذا بالإسلام ينفذ إلى قلبه وعقله، وإذا به يعلن إسلامه وتسلم الدولة كلها بعد ذلك في عهد غازان.

وكان الطوسي قد مات سنة 672 هـ، مات قرير العين وهو يرى طلائع الظفر مقتحمة الدنيا بموكبها الرائع وبشائر النصر هازجة بأرفع صوت وأعلى نبرة.

مات الطوسي مودعاً الأمر إلى تلميذه وأقرب المقربين اليه قطب الدين أبو الثناء محمود بن مسعود الشيرازي، فنهض بالعبء على ما أراده نصير الدين.

فلم يجد (تكودار) الذي أصبح اسمه (أحمد تكودار) خيراً من الشيرازي خليفة الطوسي ليكون رسوله إلى العالم الإسلامي.

يقول العالم الأزهري الشيخ عبد المتعال الصعيدي: (لم يمت نصير الدين إلا بعد أن جدد ما بلي في دولة التتار من العلوم الإسلامية وأحيا ما مات من آمال المسلمين بها)، إلى أن يقول: (إن الانتصار على التتار لم يكن في الحقيقة بردهم عن الشام في موقعة (عين جالوت) وإنما كان بفتح قلوبهم إلى الإسلام وهدايتهم له)، وهذا ما حققه نصير الدين الطوسي.

وهكذا استطاع أن يهزم بالعقل والعلم الدولة الطاغية، وأن تنجح خططه في التمهيد لتحويل المغول من وثنيين إلى مسلمين.

الإسماعيليون

هم القائلون بإمامة إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق (ع) بعد أبيه، وبذلك اختلفوا عن الشيعة الأمامية الاثني عشرية (الجعفرية) الذين قالوا بإمامة موسى الكاظم بعد الإمام جعفر الصادق(ع)، وقد كانت الدولة الفاطمية على المذهب الإسماعيلي.

وبعد وفاة الخليفة الفاطمي المستنصر (427-487هـ) حصل انشقاق كبير في صفوف الإسماعيليين، ذلك أنه تولى الخلافة بعد المستنصر ولده أبو القاسم أحمد، ولكن أحمد هذا لم يكن الابن الأكبر للخليفة ولا كان هو المؤهل لولاية العهد بنظر بعض الاسماعيليين، بل كان المؤهل لها بنظرهم، أخوه الولد الآخر نزار، ويرون أن الخليفة المستنصر عهد إلى نزار بولاية العهد فعلاً وأخذ البيعة له خلال مرضه، إلا أن وزير الخليفة، الأفضل بن بدر الجمالي أخذ يماطل بذلك ليحول دون نزار وولاية العهد لأمور كانت بينه وبين نزار، ولقرب أبي القاسم أحمد من الوزير الأفضل، كما يرون أن المستنصر توفي ووزيره الأفضل مسيطر على الحكم فتمت بذلك ولاية العهد وانتقال الخلافة لأبي القاسم أحمد الذي لقب بالمستعلي بالله..

وهكذا فقد انقسم الاسماعيليون عام 487هـ إلى فرقتين: واحدة تقول بإمامة أبي القاسم أحمد المستعلي بالله وسميت بالتالي بالمستعلية والثانية تقول بإمامة نزار وسميت بالتالي بالنزارية.

الخلط بين الفرقتين

يُخلط كثيراً بين أمرين: الأول بين الاسماعيلية النزارية الباطنية (الاغاخانية) ومذهبها، وبين الدولة الفاطمية الاسماعيلية ومذهبها، لأن الفاطميين هم أصحاب المذهب الإسلامي الشيعي الإسماعيلي الذي لا يمت بصلة إلى ما آل اليه المذهب الاسماعيلي النزاري الباطني...

وقد تعمد خصوم الفاطميين الخلط فضاعت الحقائق على طالبيها، وأسيء إلى الفاطميين ومذهبهم إساءات ظالمة.

والثاني الخلط بين الإسماعيلية النزارية الباطنية (الاغاخانية) وبين الإسماعيلية المستعلية (البهرة) التي هي امتداد للمذهب الإسلامي الشيعي الإسماعيلي الفاطمي.

المغول ونصير الدين الطوسي

يناقش السيد حسن الأمين هنا مقالاً نشرته إحدى المجلات، نقل فيه كاتبه أقوالاً لابن تيمية تحدث عن الاسماعيليين وعن نصير الدين الطوسي وعلاقته بهم، وكان الحديث باطلاً في باطل، كعادة ابن تيمية حين يتحدث عمن لا يتفقون معه في الآراء، وكان نص ابن تيمية: (إن التتار لم يكونوا ليغيروا على بغداد، ولم يكونوا ليقتلوا الخليفة العباسي وبقية القواد المسلمين إلا بمساعدة الملاحدة الاسماعيلية، وأهم رجالاتهم الذين حملوا وزر هذه الأحداث، هو وزيرهم نصير الدين الطوسي في (ألموت) إنه هو الذي أصدر الأمر بقتل الخليفة في بلاط الحكومة العباسية).

وقد علق السيد حسن الأمين على هذا الكلام مخاطباً ابن تيمية صاحب هذا القول بما يلي: (إن تعصبك الأعمى قد أوقعك لا في الجهل فقط، بل في الغباء أيضاً، حين زعمت أن الإسماعيلية مساعدو المغول في الإغارة على بغداد وفعلوا ما فعلوا)..

في حين أن من له أقل إلمام بتاريخ تلك الأحداث، يعلم أن الإسماعيلية كانوا الضحايا الأولى للمغول، فقد قتل المغول رجالهم وهدموا قلاعهم وقضوا على دولتهم...

من حرّض المغول؟

في العام (620هـ/ 1223م) كان جنكيز خان إمبراطور المغول قد حقق أهدافه الأولى، فقضى على الدولة الخوارزمية واكتسح بلاد ما وراء النهر واجتاح بخارى وسمرقند وغزنة وهراة وغيرها من المدن الإسلامية، مرتكباً فيها أنواع الفظائع.

ومع ذلك فقد تهيب المغول بعض المعاقل الحصينة فارجأوا أمرها إلى حين، وكان من تلك المعاقل قلاع النزاريين المنيعة التي كانت معدة أحسن الإعداد للدفاع ولطول الحصار فضلاً عن موقعها الجبلي الصعب الولوج.

فعاد جنكيز خان إلى بلاده ومات بعد أربع سنين وتولى بعده ابنه (اوغاتاي)، فاحتفل المغول بتنصيبه احتفالات حضرها مندوب لخليفة بغداد ومندوب لحاكم النزاريين في (ألموت) علاء الدين فيما حضر من ممثلي الدول الأخرى تلك المجاورة للمغول والمهددة بهم، كما حضرها بعض المندوبين المسيحيين.

وبالرغم من المعاملة الحسنة التي عومل بها مندوب الخليفة، فإنه تسلم رسالة كلها تهديد ووعيد، أما مندوب النزاريين فقد عومل بغضب ومهانة، ولكل من المعاملتين أسباب وجذور ودلالات..

فوفد الخليفة يمثل سلطة لم يصطدم بها المغول اصطداماً مباشراً بعد، ولكنهم يتهيئون لهذا الاصطدام، فهم على ترحيبهم يريدون أن يفهموا الذين وراء الوفد أن عليهم التسليم أو انتظار عواقب عدم التسليم.

وأما النزاريون فقد استطاعوا أن ينجوا من غزو جنكيز وان تظل قلاعهم سليمة ويظلوا هم سالمين، وهذا ما أثار حنق المغول عليهم حنقاً تجلى في مقابلتهم لوفدهم، وفيما بدر منهم بعد ذلك عندما تهيئوا للغزو العام.

فقد أعلنوا بكل وضوح أن هدفهم استئصال النزاريين ولقوا بين المسلمين من يحرضهم على ذلك ويمهد لهم السبل.

كان (منكوقاآن) حفيد جنكيز خان هو الذي انتهت إليه خلافة جنكيز، وكان هو الحاكم الذي تسير بإشارته جيوش المغول في كل مكان، وكان له عدة أخوة يقودون جيوشه ويحكمون باسمه، أحدهم هولاكو.

على (منكوقاآن) هذا كان يتردد قاضي قضاة المسلمين شمس الدين القزويني، وكان هم هذا القاضي أن يثير حفيظة الإمبراطور المغولي على النزاريين ويحرضه على اقتحام بلادهم، فلم يترك وسيلة من الوسائل إلا استغلها لإنجاح مقصده.

ويفجعك فيما يفجعك أن القاضي المحرض قد جعل من أبرز جرائم النزاريين انهم لا يدينون بالوثنية دين المغول، فلو دانوا بها لما كان عليهم من بأس عند قاضي المسلمين وإمامهم العالم الكبير، واستطاع هذا القاضي أن ينجح في مسعاه، فقضى المغول على دولة النزاريين، ولكنهم قضوا في الوقت نفسه على خلافة بغداد وأزالوا دولة العباسيين.

وهنا نود لو سألنا ابن تيمية: من هو الذي ساعد المغول على الإغارة على بغداد وقتل من قتلوا؟.

أهو قاضي قضاة المسلمين أم الإسماعيلية الذين استهدفهم تحريض القاضي ثم استهدفهم تنكيل المغول؟.

يقول العريني: (صدرت الأوامر من الخان المغولي الأكبر بالتخلص نهائياً من هذا المذهب (الإسماعيلي) فتم الإجهاز على طائفة كبيرة من أقارب خورشاه، بينما تقرر حشد عدد كبير من الإسماعيلية بناء على طلب المغول لإحصاء عددهم، فتعرض الألوف من هؤلاء للقتل، ولم يبق على قيد الحياة إلا من اعتصم بجبال فارس.

لقد كانت عصبية ابن تيمية تغشي على بصيرته فيقع في فضائح تاريخية وغير تاريخية مما ذكرناه).

ومضى هولاكو بجيشه الجرار، معلناً أنه يمضي للتغلب على النزاريين ولما وصل إلى (كش) أقام مدة شهر ثم أرسل عدة رسل إلى الملوك والسلاطين (المسلمين) تشتمل على هذه العبارات: (بناء على أمر القاآن قد عزمنا على تحطيم قلاع الملاحدة وإزعاج تلك الطائفة، فإذا أسرعتم وساهمتم في تلك الحملة بالجيوش والآلات فسوف تبقى لكم ولايتكم وجيوشكم ومساكنكم وستحمد لكم مواقفكم، أما إذا تهاونتم في امتثال الأوامر وأهملتم فإنا حين نفرغ بقوة الله من أمر الملاحدة فإننا لا نقبل عذركم ونتوجه إليكم على ولايتكم ومساكنكم ما يكون قد جرى).

ولبى الملوك والسلاطين والأمراء المسلمون نداء هولاكو لمعاونته في مهمته.. فأقبل من بلاد الروم السلطانان عز الدين وركن الدين، ومن فارس سعد بن الاتابك مظفر الدين ومن العراق وخراسان واذربيجان وشروان وجورجيا، الملوك والصدور والأعيان.. على أن الأمر لم يقف عند هذا الحد فبعد احتلال هولاكو لبغداد وزحفه إلى بلاد الشام، انضم إليه من انضم من ملوك المسلمين وساروا معه لقتال إخوانهم المسلمين ومعاونتهم في فتح البلاد.. نذكر منهم الملك السعيد ابن الملك العزيز ابن الملك العادل شقيق صلاح الدين الأيوبي الذي سلم لهولاكو الصبيية -وهي قلعة بأعلى جبل شاهق تطل على بلدة بانياس الواقعة في سوريا ويدعوها العوام قلعة النمرود- وانضم إليه في زحفه.

ويقول عن ذلك أبو الفداء في تاريخه (ج3: ص204): (وسار الملك السعيد معهم (المغول) وأعلن الفسق والفجور وسفك دماء المسلمين).

وفي معركة عين جالوت كان مع المغول يقاتل المسلمين، ولما انهزم المغول أسره المسلمون ثم قتلوه، وكان معهم أيضاً في هذه المعركة الملك الأشرف موسى صاحب حمص الذي استطاع الفرار عند حصول الهزيمة ولم يؤسر، وهو من أحفاد شيركوه عم صلاح الدين الأيوبي.

وممن حرضوا المغول على غزو الشام ومصر الملك المغيث فتح الدين عمر بن العادل بن الكامل شقيق صلاح الدين الأيوبي، وبعد النصر الإسلامي في معركة عين جالوت قبض عليه الظاهر بيبرس (وأحضر الفقهاء والقضاة وأوقفهم على مكاتبات من التتر إلى المغيث أجوبة عما كتب إليهم من إطماعهم في ملك مصر والشام) ثم قتله الملك الظاهر.

وبصيرة ابن تيمية المغشاة بعصبيته لا ترى شيئاً من هذا. على أن الأيوبيين في الجزيرة والشام كانوا أول من تعامل مع هولاكو فأرسلوا إليه يهادنونه ويخطبون وده، وقد أسرع الناصر الأيوبي نفسه إلى إعلان خضوعه للمغول وأرسل ابنه العزيز سنة (656هـ) بتحف وتقادم إلى هولاكو وصانعه، أما الأشرف موسى الأيوبي صاحب دمشق فقد أسرع في تقديم ولائه لهولاكو، في حين بادر المنصور بن المظفر الأيوبي صاحب حماه بالفرار إلى مصر تاركاً حماه وأهلها يلقون مصيرهم، ثم فر الناصر يوسف من دمشق وتركها فوضى.

وممن يتجاهل ابن تيمية جرائمهم بدافع العصبية، كبار علماء هولاكو الذين وضعوا أنفسهم في تصرفه فعاونوه على سفك دماء المسلمين، ومنهم أبو بكر فخر الدين عبد الله بن عبد الجليل القاضي المحدث الذي ذكر صاحب كتاب (الحوادث الجامعة) أنه كان يتولى إخراج الفقهاء البغداديين ليقتلوا في مخيم هولاكو.

إن الذي كان يدهم بيوت فقهاء بغداد ويخرجهم منها ويسوقهم إلى هولاكو ليقتلهم هو (القاضي المحدث) الملقب بـ(فخر الدين).

إن حامل هاتين الصفتين وهذا اللقب كان جلاد هولاكو الساعي بدماء الفقهاء العلماء إلى السفاك السفاح، إنه يعرفهم واحداً واحداً لأنه منهم ويعرف مراتبهم ودرجاتهم، ويعرف بيوتهم ومجالسهم، فكان سهلاً عليه انتقائهم وسحبهم ليريق دماءهم، وابن تيمية يغمض عينيه عنه وعن أمثاله، ولا يرى فيما فعلوه ما يستحق المؤاخذة.

لم يبصر ابن تيمية وفود الخيانة متزاحمة على باب هولاكو ملوكاً وسلاطين وصدوراً وأعياناً، بل أبصر نصير الدين الطوسي وحده، لأنه عندما كان يكتب لم يكن ينظر ببصره، بل ببصيرته، وبصيرته كانت مغشاة بعصبيته فانحجبت عنها الحقائق وتجلت الأباطيل.

يزعم ابن تيمية أن نصير الدين الطوسي كان أهم رجالات الإسماعيلية الملاحدة وأنه وزيرهم، وإنه هو الذي أصدر الأمر بقتل الخليفة.

يزعم ابن تيمية ذلك متجرئاً على نصوص التاريخ، غير مبال بمنافاة قوله لأبسط حقائق تلك النصوص، يفعل ذلك لأنه يريد بأية وسيلة أن ينال ممن يكرههم، يكرههم لا لشيء يستدعي الكره، بل لأنهم لا يرون رأيه في كل شيء، وكل من لا يرى رأيه فهو مكروه منه، بل هو حلال الدم، حلال الكرامة، حلال الاستباحة، الاستباحة بالسيف أو الاستباحة بالقلم.

وبهذا الاستحلال استبيحت سمعة نصير الدين الطوسي، فأصبح عند ابن تيمية أهم الرجال والوزير الخطير، وينقله ابن تيمية من موقع أهم الرجال ومنصب الوزارة في ألموت إلى الآمر الناهي المسيطر في بغداد... إنه هو الذي أصدر الأمر بقتل الخليفة.

هولاكو، قائد الجيوش الجرارة، الحاكم المطلق، قاهر الدول ومذل الملوك، يتخلى فجأة عن سلطانه ليجعلها في يد رجل غريب أُسر بالأمس فيما أسر من الرجال.

هذا هو منطق ابن تيمية... إن الذي يأمر وينهى، والذي يصدر أوامر لقتل، وقتل من؟.

قتل الخليفة - هو نصير الدين الطوسي لا هولاكو- ولم يشرح لنا ابن تيمية سبب زهد هولاكو بالسلطة بعد انتصاره الحاسم، ولا علة اعتكافه وتنازله عن الحكم لرجل غريب مثل الطوسي...

الحشاشون.... وأصل التسمية

أطلق مجموعة من الكتاب والباحثين على النزاريين اسم (الحشاشون) نسبة إلى الحشيش المخدر المعروف، زاعمين أن ما كانوا يقدمون عليه من اغتيالات مقرونة بضروب من البسالة الفائقة وتضحية بالنفس عزيزة المثال، إنما كان نتيجة لتخديرهم بالحشيش، بحيث يفقدون إرادتهم وينفذون ما يؤمرون بتنفيذه بلا وعي.

وهذا من أعجب الاختراعات، إذ إن من المسلم به أن استعمال الحشيش يقتل في النفس أسمى ما فيها من شجاعة وكرامة وغيره، ثم إن مستعمله يبوح بأسراره ويكشف عن مكنوناته، وهذا عكس ما يقتضي أن يكون عليه الفدائي المكلف بمهمات لا ينبغي لها شيء بعد الشجاعة مثل الكتمان وحفظ الأسرار.

وأصل هذه الفرية هو ما ذكره الرحالة (ماركو بولو) عندما زعم أنه (جنة شيخ الجبل) والتي شاء له خياله أن ينطلق في وصفها انطلاقاً مغرضاً في التخيل والخرافة.

ثم تفنن الزاعمون في مزاعمهم فكان مما قالوه: إن الحسن بن الصباح كان يعتمد تعويد أتباعه الحشيش وإدمانه فلا يستطيعون الحياة بدونه، وانهم كانوا ينفذون كل ما يطلب منهم لقاء حصولهم على الحشيش، فإذا نفذوا الأوامر أعطوا الحشيش وأدخلوا (الجنة)!.

يرى الدكتور جمال الدين الشيال في كتابه (مجموعة الوثائق الفاطمية) أنه لما اشتد الصراع بين المتنازعين المنشقين عن الفاطميين، وبين الفاطميين، كان من وسائل هذا الصراع ما نسميه في اصطلاحنا الراهن الوسائل الإعلامية بإمكانيات ذلك العصر، فكان النزاريون يوزعون بيانات تبين فساد خلافة أحمد المستعلي ومن تلاه ويمكن أن يتلوه من الخلفاء فيرد الفاطميون على البيان ببيان وعلى الأدلة بأدلة.

ويرى الدكتور الشيال أن الفاطميين هم الذين بدأوا بنعت الإسماعيلية النزارية بهذا الوصف في عهد الخليفة الآمر أي بعد نشوب النزاع بين المستعلي ونزار بنحو عشرين سنة، ويفسر الدكتور الشيال إطلاق هذا الوصف على النزاريين بأنه كان للتشهير بهم، بمعنى أنهم في قولهم بإمامة نزار إنما كانوا يخرّفون كما يخرّف الحشاشة، أي إن الفاطميين لم يتهموا باستعمال الحشيش، بل وصفوهم بأوصاف مستعمليه. لما يطرأ على عقولهم من التخريف...

أما الكاتب الغربي (بول آمير) في كتابه (سيد ألموت) فيقول عن ذلك: (بأن الصفة التي أطلقت على النزاريين (الحشاشون) هي في الأصل صفة: (الحشائشيون) وهي الصفة التي كانت تطلق في تلك العهود على من يتعاطون جمع الحشائش البرية التي تستعمل هي نفسها أدوية، أو تستقطر منها الادوية، وقد كان يختص بذلك أفراد، فيهم من هم من الاطباء أو الصيادلة، كان يطلق على الواحد منهم لقب: (الحشائشي) حتى لقد أصبح ذلك مهنة من المهن المشتهرة، وكان لها أسواق خاصة بها وتجار يتعاطون بيع الحشائش الطبية وشرائها).

يقول بول آمير: عمل النزاريون في ذلك بشكل واسع، فقد كان لهم في جبالهم قرى وشرائها ومزارع كان ينطلق فيها حتى النساء والأطفال في جمع الحشائش الطبية التي كانوا يتوسعون في زراعتها ولا يقتصرون على ما تنبته الطبيعة، حتى لقد كانوا يزرعونها في حدائق البيوت.

وكان جامعو الحشائش في الحقول والبراري يبيعون ما يجمعونه إلى أشخاص معينين متصلين بسيد ألموت حيث يصدرونها إلى مختلف المدن، وكان في كل مدينة سوق خاص يسمى سوق الحشائش، وكانت الحشائش تجمع في ألموت في جوالق يكتب عليها اسم المرسلة إليه واسم المدينة مع كلمة (سوق الحشائشيين)، أما ما يستقطر منها فيوضع في قوارير خاصة محفوظة من عوامل الكسر وترسل مع أحمال الحشائش، وبذلك كانت ألموت معروفة بأنها إحدى المراكز الكبرى للأدوية الحشائشية واستيرادها ثم تصديرها، ومن هنا لصق بالنزاريين لقب الحشائشيين، ثم استغله خصومهم فطوروه إلى (الحشاشين).

تلك هي أبرز المواضيع التي عالجها الباحث السيد حسن الأمين في كتابه القيم هذا، بموضوعية وحيادية كاملة..

* مقال نشر في مجلة النبأ-العدد 59-ربيع الثاني 1422/تموز 2001

ذات صلة

هل الفلسفة الغربية ذات اصول مصرية؟تحوّلاتُ الشرقِ تُنادينامركز الإمام الباقر ناقش دور المؤسسات العلمية في تطور الفكر في النجفتأثير العقائد المسيحية على الإسلامالنخبة السياسية